عطر سوريا
21/11/2007, 18:20
الأولى: لا يذهبن الظنُ بك إلى أنني في الجانب المعارض لمأساتك والتي تعاني منها ملايين من المُسلمات، فأنا أحلم أيضا بالحرية الملتزمة، والمشاركة العفيفة والوقورة، وأنْ اختلط مع كل أفراد
العائلات التي نعرفها، وأن أصافح صديق ابني وأحترمه ويحترمني. إنني مقتنعة بأن الله، تعالى، غاضب على رجال هذه الأمة الذين استخرجوا من دينه العظيم ورسالة الاسلام السمحاء صغائر وتفاهات أُنَزّه إسلامَنا الحنيفَ أن تكون منه. الرجلُ الذئبُ يرى في كل رجل آخر ذئباً ينافسه على فريسة، لكنه لا يرى نفسه واحدا من هؤلاء الرجال الذين يفترسون المرأةَ في خيالاتهم. المشكلة أن الرجلَ احتكر تفسيرَ الدين كما احتكر السلطةَ والحروب والاغتصاب وتجارة المخدرات وبناء السجون والمعتقلات وبيوت
البغاء ودَعْمَ الزعماء الطغاة ومساندة المستبدين. إنني مقتنعة في داخلي أن تغطية الوجه معصيّة للخالق، وأن الحياة لا تستقيم إلا بالتعارف، لكننا أمام حماقة الرجل ونقصان عقله لا نستطيع أن نعترض، فسيقوم بالتكفير، وسيفهم شيئاً آخر، وسيدّعي كَذِبَاً وبُهتاناً أننا نطالب بالحريةِ الغربية، وبالانحلال، وبكشف الوجه حتى يسهل الصيد. ألم أقل لك من قبلُ بأنَّ الرجال ناقصو عقل ودين؟ صديقة لي منعها زوجها منعاً باتا من قيادة السيارة لاصطحاب أولادهما من وإلى المدرسة. كانت تريد حمايتهم، أما هو فيريد حماية نفسه ظنا منه أنها سترتمي في أحضان أول رجل فور كشفها الوجه أو قيادتها السيارة.
والرجل كعادته لا يشك في المرأة قبل أن يشك في نفسه، ولا يرى في كل الرجال الآخرين مخالب قبل أن يتحسس مخالبه بنفسه. والرجل غبي إنْ تعلق الأمرُ بحماية أولاده لأن الذئبَ الذي يتربص بهم رجلٌ مثله، ويعرف تكتيكَ الانتهاك والاغتصاب والتحرش. الكارثة أنه بعد ثلاث سنوات اكتشف الأبُ والأم بأن السائقَ الأعزبَ والمحرومَ جنسياً كان يتحرش بأطفالهما لدقائق معدودات لدى الصعود إلى السيارة والخروج منها. وأحيانا يدّعي أنه يربط الحزامَ، فيتحسس أجسادَهم البريئةَ.ومع ذلك فملايين من ذكور الأمة يغضون الطرفَ عن الجريمة التي تحدث يوميا، ولا يتقون اللهَ في أولادهم الضعفاء. ألم أقل لك بأنَّ الرجلَ غبيٌ؟
الثانية: أنت سيدة فاضلة تحافظين على زوجك وعِرْضِك وشرفك ودينك ولا تعرفين الرجل أكثر مني رغم صِغَرِ سنّي . إنني أراهم في كل مكان، وأدخل معهم الغرف المغلقة، وأرفع رأسي عالية بعد تغطية وجهي ونحن متجهان لارتكاب ما لم يدر بذهن كل الذين ينظرون إلينا، فيروّن امرأة أو فتاة أو حتى رجلا متخفيا في ثوب أسود. أنني جزء من مجتمع أحمق، ومنافق، ينشغل رجالُه بمنع الخلوة، لكنهم يصنعون طُرقا أكثر سلاسة وسهولة لارتكاب المحرمات. صديقة لي جميلة لو شاهدها باحثون عن زوجة لتصارعوا عليها، ولأختارت من بينهم الأصلح والأفضل والأقرب إليها. اقتربت من عامها الثلاثين ولم تتزوج بعد، فهي واحدة من ملايين العوانس في عالمنا العربي المنافق. بكت لي بحرقة أبكتني بدوري وهي تحكي قصة مَنْ تقدموا إليها وفقا لأوصاف نساء أخريات أو بعض من يعرفها. كانت النتيجة رفضا منها لهؤلاء الذين أراد كل منهم الزواج بفتاة لم يرها قط، ولم ينبض قلبه، أو تتحرك مشاعره العفيفة، أو يمتلك
حرية الاختيار بنفس القدر مع حريتها. إنها تعيش في عالم الحريم، وتمر السنوات، ويبهت الجمال ، وتنتظر مجهولا يطرق باب بيتها ليشتري تلك البضاعة التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها حسبما يرى
مجتمعنا.
الأولى: ولكن هناك فتيات عانسات وسافرات الوجه في مجتمعات مختلطة، أليس كذلك؟
الثانية: في هذه الحالة تكون هناك ظروف أخرى، ويمكننا الحديث عن أن الزواج (قسمة ونصيب)، وأن الله سيؤتي من فضله العفيفات. أما ما أتحدث عنه فهو صورة من صور الرق، فيخفي الرجل بضاعته والتي غالبا لا ترى شاريها إلا يوم المزاد، أعني عندما يطرق بابها. الاسلام خاتمة الديانات السماوية، وينبغي أن يتصالح المسلمون مع العصر فهم يملكون كلمات الله العزيز الوهاب الصالحة لكل مكان وزمان.
هل تعرفين لماذا طلب الاسلامُ اشهارَ الزواج؟ حتى يعرف الناس بعضهم بعضا، ويقطع الطريقَ على الرذيلة، ويعرف الجيران وزملاء العمل وكل من قابلهما أن هذه زوجته!
الأولى: أرى فيك حكمة الخبيرات، وإيمانا قويا خلف معصية وقحة، ورغبة في التوبة تكشف عنها مفاهيم مستنيرة لفتاة تنتقم للأسف الشديد من كل شيء حولها. أما أنا فأبحث عن السلام داخل بيتي، وأطيع زوجي ما أمرني، وأكتفي بدوري في المجتمع متحركة داخل هذا الثوب الأسود، أشم رائحة قماشه، واستنشق خيوطه، ولا تتسلل أشعة شمس تمنح بشرتي صحة وعافية وجمالا طبيعيا.
إنني لا أملك القوة للتصادم مع الرجل فهو يستطيع أن يأتي لي بأقوال رجال مثله عاشوا في زمن مضت عليه مئات الاعوام، ثم يجعلهم حَكَماً بيني وبينه. إنني أرفض التصادمَ معه، فهو يملك الحق في
الضرب، وأن يهجرني، وأن يحتفظ بالأولاد لأنني ناشز، وأن يستعين بالسلطة والأمن وحُراس الفضيلة والقضاء وكلهم سيقفون معه لاصلاح هذا الضلع الأعوج. إنني رهن اشارته، لكنه يعلن للملأ أنني
مُتَوّجة مَلِكِة في البيت. كم أنا مشتاقة لطاعة الله عز وجل في التعرف على البشر الذين خلقهم، واكتساب المعرفة، وأن يقوم الرجال الآخرون بتوجيه الحديث مباشرة لي دون وسيط، وأن أتحكم في أقوالي وأفعالي، وأعرف الفارق بين الحملان والذئاب دون مساعدة من رجل آخر. إنني لست بحاجة لاخفاء وجهي لأثْبِت إيماني للآخرين، فتقوى الله في قلبي، والشيطان الذي يتغلب علىَ الرجل بهمسة غير مسموعة سيجد أمامه امرأةً أقوى من الرجال، وأشرف من كثير من حراس الفضيلة.
الثانية: أما أنا فقد تحالفت مع الشيطان لبعض الوقت. قد يطول أو يقصر. إنني مطيعة أيضا لغباء الرجل والسلطة، فأرتدي قُفّازاً عندما أسرق، ولا يعثر خبراء رفع البصمات على أيّ أثرٍ لي. وأخفي وجهي عندما أرتكب المُحَرّمات، وكلها مع رجال، وهم كثيرون، بل أخشى أنْ أقول بأنَّ أكثرهم حراسٌ للفضيلة في الشارع والبيت والعمل. إذا كان كلُّ الرجالِ يخشون كلَّ الرجال ويعتقدون أنهم يتربصون بنسائهم وبناتهم، فماذا بقي لنا من قِيَمِ الخيّر والمحبة والتسامح والايمان؟ لقد رأيتُ بنفسي فتيات يمارسن كلَّ صور الرذيلة، لكنهن يتمتعن في المجتمع باحترام شديد لأن الرجل الغبي يظن أنَّ اخفاءَ الوجه هو الضربة القاصمة والقاضية لوسوسة الشيطان، وكل الاغراءات التي يقدمها إبليس.
فجأة قطع عليهما الحديثَ بكاءُ طفلٍ صغيرٍ يبدو أنه فَقَدَ أمَّه في زحام السوق. كان ينظر بعينين مذعورَتيّن باحثاً عن تلك التي تُعطيه الحبَّ والحنان وقد كانت منذ لحظات تمسك بيَدٍ دافئة يَدَه الصغيرةَ
الغضّة فتسري في نفسه البريئة كل مشاعر وأحاسيس الأمان كأن الحبل السُرّيَ لم ينقطع منذ سقوطه من بطنها.
يرتفع بكاءُ الطفل وعيناه تبحثان في نساء وفتيات متشحات بالسواد ويغطين وجوهَهن في مشهد عجيب كأنهن في سرادق عزاء يودّعن الحياةَ بعدما انسحبن منها زمناً طويلا. بعد لحظات يختفي الطفلُ، وتخفتْ رويّدا .. رويدا صرخاته، ولعل حيرتَه تظل قائمةً عن السبب الذي دفع بكل هؤلاء النسوة إلى لعب دور الأشباح المتنكرة والمتشابهة، ولو كان بينها رجل أو أكثر للتحرش جنسياً لما اكتشفنه إلا بصعوبة بالغة.
الأولى: أشعر أنَّ غضَّ السلطات الطرفَ عن النقاب والخمار هو دعوةٌ صريحة لقوى الارهاب أنْ تتخفى في صورة امرأة. لقد حدثتْ بالفعل عشراتُ الحوادث الارهابية في عالمنا العربي، ولكن من الواضح أن هناك تكاملا بين غباء السلطة وغباء الرجل بعدما عثر رجالُ الدين على تبريرات وأدلة سطحية
فجعلوها قاطعةً لتصبح الدعوةُ للارهاب واخفاءِ الرذيلةِ مقدسةً. إنني أتذكر حتى الآن مقالا مُطَوّلا، ثم
ردودا على المحاوريّن من الدكتور محمد شوقي الفنجري (صحيفة القبس الكويتية في 17أكتوبر 1986 ) يُثبت فيه بالأدلةِ والبراهين الاسلامية غير القابلة لتأويلات أخرى أن في النقاب كراهية شديدة، وكانت المرأة تصلي خلف النبي، صلى الله عليه وسلم، كاشفةً وجهها، ولم ينزل الوحي بأيّ أمر لها أن تُغَطّيه رغم وجود رجال يستقدمون ويستأخرون في الصلاة للاقتراب من المرأة أو الابتعاد عنها.
الثانية: تنتابني مشاعر المهانة الشديدة عندما أُغَطّي وجهي وأغطي معه هويتي وشخصيتي وانسانيتي لمجرد أن الرجل لا يريد أن يَطّلِع آخرون على مِلْكِيته الخاصة. هل تُصَدّقين أنَّ بعضَ المنقبات اللائي يتسلمن شهادات التخرج في حفل عام من زعيم الدولة يرفضن مصافحَته؟ لماذا يخرجن من
بيوتهن، ويذهبن لحفل التخرج، ويتشرفن بتسلم الشهادات؟. حتى ابتسامة الفرح، أو ضحكات السعادة الغامرة تم منعهن من ابدائها خشية أن يفتتن الرجال، وتسري حالة رعشة جنسية بين كل ذكور الحفل ، وتهتز السماوات والأرض ومن فيهن من هَوّل الجريمة!
الأولى: تُحَيّرني كثيرا معضلةُ الرجل الذي يسمع الآذان خمس مرات في اليوم، ويقوم لله فجرا وصبحا ومساء، ويقرأ ويسمع آيات بيّنات، ويتعلم الخيرَ وكبحَ جماحِ نفسه وشهواتها، وتمنعه عاداتٌ وتقاليد
وتربية وأصول اجتماعية وتهذّبه سنوات الخبرة والخشية من الله ومن الضمير، ومع ذلك فهو يظن أن أسفله مرتبط بأعلاه، وأن شهواته الجنسية في خياله، وأن عينيه لا تبحثان في المرأة عن المشاركة الانسانية، إنما يقفز إلى ذهنه الفراش كلما تخيل رجلا شاهد وجه امرأة. نحن ضحايا مرض الرجل وضعفه وعدم ثقته في الآخرين، وأحيانا نصبح ضحايا رغبة الرجل الجامحة أن يخفي جرائمه وذنوبه وشهواته، فيخفي وجوهنا لئلا ينكشف هو أمام المجتمع. الرجلُ في كثير من الأحيان يطلب تغطية وجه
المرأة ليختفي هو، لا ليُخفيها. إنه يغمض العيّنَ عما في تغطية وجه المرأة من آثار ضارة على الأسرة والعائلات وقيمة الشرف وكرامة المرأة. عندما يفسر الرجلُ أحاديثَ الأقدمين، ويقرأ لمن تحللت عظامهم منذ ألف عام أو يزيد يتعمد ازاحةَ العقلِ جانباً، ويركع لرجال لم يرَهُمْ كما يفعل مع سيّد القصر في بلده.
ألا تتعجبين عندما تتابعين معارك الرجال وهي مُسْتَمِرّة منذ مئات الأعوام بسبب حوادث انتهت، أو حوارات وخلافات سياسية وقَبَلّية وتفسيرات مضت عليها قرون؟ ألا تضربين كفّاً بكفٍّ وتتحسرين على نخوة الرجال وشهامتهم وعقولهم وهم يمارسون القتل والذبح والطائفية، وندفع نحن النساء الضعيفات ثمن تهور الرجل وحماقة تفسيراته وعبادته لنصوص الأقدمين؟
الثانية: لو لم تكن هناك نصوص قاطعة ومقدسة لظننت أنَّ الأصلَ في الخَلْق هي حوّاء، وأنَّ اللهَ خَلَقَ الرجلَ من ضِلع أعوج في أُمِّنا الأولى! إنني غاضبةٌ أكثر منك على هذه التفسيرات الذكورية لعالم الأنثى، وأرفض تماما الانكباب على قراءة فتاوى المرأة التي تكتظ بها كتب قديمة وحديثة وصحف ومجلات وفضائيات كأن الرجل انتهى من صراعه مع السلطة، وبسط هيمنة الخير، ونزع الظلم عن
المعتقلين والمسجونين، وأصدر تشريعات تُحَرّم اغتصابَ المرأة، والتحرش بالطفل. الرجل يمنح قفاه لكل ممثلي السلطة، وعندما يعود إلى البيت يبحث عن تفويضٍ من السماء لفرض سطوته على نصفه الآخر.
الأولى: شاهدت فيديو كليب لرجال يرجمون امرأة زانية ( قَطّعاً مع أحدهم )، ويا ليتني لم أشاهده. كانت القسوة فيه واضحةً وكأن الرجال يلقمون ضمائرهم ومشاعرهم البليدة، أو كأنهم يسارعون في اخفاء جرائمهم في جسد تلك المرأة التي تتلوى وتصرخ مع كل قطعة حجر مدببة تصيبها.
الثانية: بل إن الرجم بالكلمات والنظرات والأوامر والنواهي أشد غلظة وحِدّةً وقسوة مِنْ تلك التي تصفينها لي. إننا نحن النساء أمام مسؤولية عظمى ملقاة على عاتقنا لتحرير الرجل من هوسه الجنسي، ومن عبوديته للسلطة، ومن كراهيته لنفسه، ومن عالم المزايدات الدينية التي تخرج
بالدين الحنيف المقدس من جماله وكماله وروعته إلى قشور وبلاهة وبلادة.
الأولى: بل يحتاج الرجل أن يتعلم قبل كل شيء أن الله أكبر، وأن خالق السماوات والأرض أسمى من أن ننسب إليه، سبحانه وتعالى، الظلم الذي حرمه على نفسه. الرجل يحتاج لعلاج سريع قبل أن يُدَمّر
الكونَ كله، ويدمر نفسه وهو يهدم المعبد علينا جميعا. لازلت حتى الآن في صدمة عندما قرأتُ لشاب
يقول أنه عندما يرى فتاة أو امرأة تروق له، يتخيل أنها من الحور العين، ويمارس معها الجنس في خياله، ويظن، بل يؤمن أنه يحصل على الاثنين معا: متعة ممارسة الشهوة في خياله، والثواب في ايمانه بقرب الارتماء في أحضان ثلاث وسبعين حورية، بل إنَّ أحدَ الفقهاء أكد له أنه سيكون في حالة انتصاب
دائم في جنة الخلد.
الثانية: أتركك الآن فلدي موعد مع أحد حراس الفضيلة وقد أمرني بتغطية وجهي بخمار لا يبين منه حتى خيال العينين، فهو متزوج، ويخشى على بيته وأسرته، ولا يعرف أن ما يقوم به، سيفعل مثله أخي وربما أبي. إنها دائرة من النفاق الاجتماعي، ودفن النعام رؤوسه في الطين وليس فقط في الرمل.
الأولى: إنني أدعوك، أختي الصغيرة، إلى الالتزام بالقيم والمباديء والخير والشرف، وعندئذ لن يجد الرجلُ صَيده بتلك السهولة.
الثانية: في هذه الحالة سأنزع النقاب، وسأكشف عن وجهي، فأنا أيضا خلقني الله، ونفخ في من روحه. إنَّ نظرةً واحدة لمشهد الأرض البائسة حروباً وطائفيةً وفقراً يجعلنا نثق أنَّ أكثرَ أهلِ النار يوم
القيامة هم الرجال.
العائلات التي نعرفها، وأن أصافح صديق ابني وأحترمه ويحترمني. إنني مقتنعة بأن الله، تعالى، غاضب على رجال هذه الأمة الذين استخرجوا من دينه العظيم ورسالة الاسلام السمحاء صغائر وتفاهات أُنَزّه إسلامَنا الحنيفَ أن تكون منه. الرجلُ الذئبُ يرى في كل رجل آخر ذئباً ينافسه على فريسة، لكنه لا يرى نفسه واحدا من هؤلاء الرجال الذين يفترسون المرأةَ في خيالاتهم. المشكلة أن الرجلَ احتكر تفسيرَ الدين كما احتكر السلطةَ والحروب والاغتصاب وتجارة المخدرات وبناء السجون والمعتقلات وبيوت
البغاء ودَعْمَ الزعماء الطغاة ومساندة المستبدين. إنني مقتنعة في داخلي أن تغطية الوجه معصيّة للخالق، وأن الحياة لا تستقيم إلا بالتعارف، لكننا أمام حماقة الرجل ونقصان عقله لا نستطيع أن نعترض، فسيقوم بالتكفير، وسيفهم شيئاً آخر، وسيدّعي كَذِبَاً وبُهتاناً أننا نطالب بالحريةِ الغربية، وبالانحلال، وبكشف الوجه حتى يسهل الصيد. ألم أقل لك من قبلُ بأنَّ الرجال ناقصو عقل ودين؟ صديقة لي منعها زوجها منعاً باتا من قيادة السيارة لاصطحاب أولادهما من وإلى المدرسة. كانت تريد حمايتهم، أما هو فيريد حماية نفسه ظنا منه أنها سترتمي في أحضان أول رجل فور كشفها الوجه أو قيادتها السيارة.
والرجل كعادته لا يشك في المرأة قبل أن يشك في نفسه، ولا يرى في كل الرجال الآخرين مخالب قبل أن يتحسس مخالبه بنفسه. والرجل غبي إنْ تعلق الأمرُ بحماية أولاده لأن الذئبَ الذي يتربص بهم رجلٌ مثله، ويعرف تكتيكَ الانتهاك والاغتصاب والتحرش. الكارثة أنه بعد ثلاث سنوات اكتشف الأبُ والأم بأن السائقَ الأعزبَ والمحرومَ جنسياً كان يتحرش بأطفالهما لدقائق معدودات لدى الصعود إلى السيارة والخروج منها. وأحيانا يدّعي أنه يربط الحزامَ، فيتحسس أجسادَهم البريئةَ.ومع ذلك فملايين من ذكور الأمة يغضون الطرفَ عن الجريمة التي تحدث يوميا، ولا يتقون اللهَ في أولادهم الضعفاء. ألم أقل لك بأنَّ الرجلَ غبيٌ؟
الثانية: أنت سيدة فاضلة تحافظين على زوجك وعِرْضِك وشرفك ودينك ولا تعرفين الرجل أكثر مني رغم صِغَرِ سنّي . إنني أراهم في كل مكان، وأدخل معهم الغرف المغلقة، وأرفع رأسي عالية بعد تغطية وجهي ونحن متجهان لارتكاب ما لم يدر بذهن كل الذين ينظرون إلينا، فيروّن امرأة أو فتاة أو حتى رجلا متخفيا في ثوب أسود. أنني جزء من مجتمع أحمق، ومنافق، ينشغل رجالُه بمنع الخلوة، لكنهم يصنعون طُرقا أكثر سلاسة وسهولة لارتكاب المحرمات. صديقة لي جميلة لو شاهدها باحثون عن زوجة لتصارعوا عليها، ولأختارت من بينهم الأصلح والأفضل والأقرب إليها. اقتربت من عامها الثلاثين ولم تتزوج بعد، فهي واحدة من ملايين العوانس في عالمنا العربي المنافق. بكت لي بحرقة أبكتني بدوري وهي تحكي قصة مَنْ تقدموا إليها وفقا لأوصاف نساء أخريات أو بعض من يعرفها. كانت النتيجة رفضا منها لهؤلاء الذين أراد كل منهم الزواج بفتاة لم يرها قط، ولم ينبض قلبه، أو تتحرك مشاعره العفيفة، أو يمتلك
حرية الاختيار بنفس القدر مع حريتها. إنها تعيش في عالم الحريم، وتمر السنوات، ويبهت الجمال ، وتنتظر مجهولا يطرق باب بيتها ليشتري تلك البضاعة التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها حسبما يرى
مجتمعنا.
الأولى: ولكن هناك فتيات عانسات وسافرات الوجه في مجتمعات مختلطة، أليس كذلك؟
الثانية: في هذه الحالة تكون هناك ظروف أخرى، ويمكننا الحديث عن أن الزواج (قسمة ونصيب)، وأن الله سيؤتي من فضله العفيفات. أما ما أتحدث عنه فهو صورة من صور الرق، فيخفي الرجل بضاعته والتي غالبا لا ترى شاريها إلا يوم المزاد، أعني عندما يطرق بابها. الاسلام خاتمة الديانات السماوية، وينبغي أن يتصالح المسلمون مع العصر فهم يملكون كلمات الله العزيز الوهاب الصالحة لكل مكان وزمان.
هل تعرفين لماذا طلب الاسلامُ اشهارَ الزواج؟ حتى يعرف الناس بعضهم بعضا، ويقطع الطريقَ على الرذيلة، ويعرف الجيران وزملاء العمل وكل من قابلهما أن هذه زوجته!
الأولى: أرى فيك حكمة الخبيرات، وإيمانا قويا خلف معصية وقحة، ورغبة في التوبة تكشف عنها مفاهيم مستنيرة لفتاة تنتقم للأسف الشديد من كل شيء حولها. أما أنا فأبحث عن السلام داخل بيتي، وأطيع زوجي ما أمرني، وأكتفي بدوري في المجتمع متحركة داخل هذا الثوب الأسود، أشم رائحة قماشه، واستنشق خيوطه، ولا تتسلل أشعة شمس تمنح بشرتي صحة وعافية وجمالا طبيعيا.
إنني لا أملك القوة للتصادم مع الرجل فهو يستطيع أن يأتي لي بأقوال رجال مثله عاشوا في زمن مضت عليه مئات الاعوام، ثم يجعلهم حَكَماً بيني وبينه. إنني أرفض التصادمَ معه، فهو يملك الحق في
الضرب، وأن يهجرني، وأن يحتفظ بالأولاد لأنني ناشز، وأن يستعين بالسلطة والأمن وحُراس الفضيلة والقضاء وكلهم سيقفون معه لاصلاح هذا الضلع الأعوج. إنني رهن اشارته، لكنه يعلن للملأ أنني
مُتَوّجة مَلِكِة في البيت. كم أنا مشتاقة لطاعة الله عز وجل في التعرف على البشر الذين خلقهم، واكتساب المعرفة، وأن يقوم الرجال الآخرون بتوجيه الحديث مباشرة لي دون وسيط، وأن أتحكم في أقوالي وأفعالي، وأعرف الفارق بين الحملان والذئاب دون مساعدة من رجل آخر. إنني لست بحاجة لاخفاء وجهي لأثْبِت إيماني للآخرين، فتقوى الله في قلبي، والشيطان الذي يتغلب علىَ الرجل بهمسة غير مسموعة سيجد أمامه امرأةً أقوى من الرجال، وأشرف من كثير من حراس الفضيلة.
الثانية: أما أنا فقد تحالفت مع الشيطان لبعض الوقت. قد يطول أو يقصر. إنني مطيعة أيضا لغباء الرجل والسلطة، فأرتدي قُفّازاً عندما أسرق، ولا يعثر خبراء رفع البصمات على أيّ أثرٍ لي. وأخفي وجهي عندما أرتكب المُحَرّمات، وكلها مع رجال، وهم كثيرون، بل أخشى أنْ أقول بأنَّ أكثرهم حراسٌ للفضيلة في الشارع والبيت والعمل. إذا كان كلُّ الرجالِ يخشون كلَّ الرجال ويعتقدون أنهم يتربصون بنسائهم وبناتهم، فماذا بقي لنا من قِيَمِ الخيّر والمحبة والتسامح والايمان؟ لقد رأيتُ بنفسي فتيات يمارسن كلَّ صور الرذيلة، لكنهن يتمتعن في المجتمع باحترام شديد لأن الرجل الغبي يظن أنَّ اخفاءَ الوجه هو الضربة القاصمة والقاضية لوسوسة الشيطان، وكل الاغراءات التي يقدمها إبليس.
فجأة قطع عليهما الحديثَ بكاءُ طفلٍ صغيرٍ يبدو أنه فَقَدَ أمَّه في زحام السوق. كان ينظر بعينين مذعورَتيّن باحثاً عن تلك التي تُعطيه الحبَّ والحنان وقد كانت منذ لحظات تمسك بيَدٍ دافئة يَدَه الصغيرةَ
الغضّة فتسري في نفسه البريئة كل مشاعر وأحاسيس الأمان كأن الحبل السُرّيَ لم ينقطع منذ سقوطه من بطنها.
يرتفع بكاءُ الطفل وعيناه تبحثان في نساء وفتيات متشحات بالسواد ويغطين وجوهَهن في مشهد عجيب كأنهن في سرادق عزاء يودّعن الحياةَ بعدما انسحبن منها زمناً طويلا. بعد لحظات يختفي الطفلُ، وتخفتْ رويّدا .. رويدا صرخاته، ولعل حيرتَه تظل قائمةً عن السبب الذي دفع بكل هؤلاء النسوة إلى لعب دور الأشباح المتنكرة والمتشابهة، ولو كان بينها رجل أو أكثر للتحرش جنسياً لما اكتشفنه إلا بصعوبة بالغة.
الأولى: أشعر أنَّ غضَّ السلطات الطرفَ عن النقاب والخمار هو دعوةٌ صريحة لقوى الارهاب أنْ تتخفى في صورة امرأة. لقد حدثتْ بالفعل عشراتُ الحوادث الارهابية في عالمنا العربي، ولكن من الواضح أن هناك تكاملا بين غباء السلطة وغباء الرجل بعدما عثر رجالُ الدين على تبريرات وأدلة سطحية
فجعلوها قاطعةً لتصبح الدعوةُ للارهاب واخفاءِ الرذيلةِ مقدسةً. إنني أتذكر حتى الآن مقالا مُطَوّلا، ثم
ردودا على المحاوريّن من الدكتور محمد شوقي الفنجري (صحيفة القبس الكويتية في 17أكتوبر 1986 ) يُثبت فيه بالأدلةِ والبراهين الاسلامية غير القابلة لتأويلات أخرى أن في النقاب كراهية شديدة، وكانت المرأة تصلي خلف النبي، صلى الله عليه وسلم، كاشفةً وجهها، ولم ينزل الوحي بأيّ أمر لها أن تُغَطّيه رغم وجود رجال يستقدمون ويستأخرون في الصلاة للاقتراب من المرأة أو الابتعاد عنها.
الثانية: تنتابني مشاعر المهانة الشديدة عندما أُغَطّي وجهي وأغطي معه هويتي وشخصيتي وانسانيتي لمجرد أن الرجل لا يريد أن يَطّلِع آخرون على مِلْكِيته الخاصة. هل تُصَدّقين أنَّ بعضَ المنقبات اللائي يتسلمن شهادات التخرج في حفل عام من زعيم الدولة يرفضن مصافحَته؟ لماذا يخرجن من
بيوتهن، ويذهبن لحفل التخرج، ويتشرفن بتسلم الشهادات؟. حتى ابتسامة الفرح، أو ضحكات السعادة الغامرة تم منعهن من ابدائها خشية أن يفتتن الرجال، وتسري حالة رعشة جنسية بين كل ذكور الحفل ، وتهتز السماوات والأرض ومن فيهن من هَوّل الجريمة!
الأولى: تُحَيّرني كثيرا معضلةُ الرجل الذي يسمع الآذان خمس مرات في اليوم، ويقوم لله فجرا وصبحا ومساء، ويقرأ ويسمع آيات بيّنات، ويتعلم الخيرَ وكبحَ جماحِ نفسه وشهواتها، وتمنعه عاداتٌ وتقاليد
وتربية وأصول اجتماعية وتهذّبه سنوات الخبرة والخشية من الله ومن الضمير، ومع ذلك فهو يظن أن أسفله مرتبط بأعلاه، وأن شهواته الجنسية في خياله، وأن عينيه لا تبحثان في المرأة عن المشاركة الانسانية، إنما يقفز إلى ذهنه الفراش كلما تخيل رجلا شاهد وجه امرأة. نحن ضحايا مرض الرجل وضعفه وعدم ثقته في الآخرين، وأحيانا نصبح ضحايا رغبة الرجل الجامحة أن يخفي جرائمه وذنوبه وشهواته، فيخفي وجوهنا لئلا ينكشف هو أمام المجتمع. الرجلُ في كثير من الأحيان يطلب تغطية وجه
المرأة ليختفي هو، لا ليُخفيها. إنه يغمض العيّنَ عما في تغطية وجه المرأة من آثار ضارة على الأسرة والعائلات وقيمة الشرف وكرامة المرأة. عندما يفسر الرجلُ أحاديثَ الأقدمين، ويقرأ لمن تحللت عظامهم منذ ألف عام أو يزيد يتعمد ازاحةَ العقلِ جانباً، ويركع لرجال لم يرَهُمْ كما يفعل مع سيّد القصر في بلده.
ألا تتعجبين عندما تتابعين معارك الرجال وهي مُسْتَمِرّة منذ مئات الأعوام بسبب حوادث انتهت، أو حوارات وخلافات سياسية وقَبَلّية وتفسيرات مضت عليها قرون؟ ألا تضربين كفّاً بكفٍّ وتتحسرين على نخوة الرجال وشهامتهم وعقولهم وهم يمارسون القتل والذبح والطائفية، وندفع نحن النساء الضعيفات ثمن تهور الرجل وحماقة تفسيراته وعبادته لنصوص الأقدمين؟
الثانية: لو لم تكن هناك نصوص قاطعة ومقدسة لظننت أنَّ الأصلَ في الخَلْق هي حوّاء، وأنَّ اللهَ خَلَقَ الرجلَ من ضِلع أعوج في أُمِّنا الأولى! إنني غاضبةٌ أكثر منك على هذه التفسيرات الذكورية لعالم الأنثى، وأرفض تماما الانكباب على قراءة فتاوى المرأة التي تكتظ بها كتب قديمة وحديثة وصحف ومجلات وفضائيات كأن الرجل انتهى من صراعه مع السلطة، وبسط هيمنة الخير، ونزع الظلم عن
المعتقلين والمسجونين، وأصدر تشريعات تُحَرّم اغتصابَ المرأة، والتحرش بالطفل. الرجل يمنح قفاه لكل ممثلي السلطة، وعندما يعود إلى البيت يبحث عن تفويضٍ من السماء لفرض سطوته على نصفه الآخر.
الأولى: شاهدت فيديو كليب لرجال يرجمون امرأة زانية ( قَطّعاً مع أحدهم )، ويا ليتني لم أشاهده. كانت القسوة فيه واضحةً وكأن الرجال يلقمون ضمائرهم ومشاعرهم البليدة، أو كأنهم يسارعون في اخفاء جرائمهم في جسد تلك المرأة التي تتلوى وتصرخ مع كل قطعة حجر مدببة تصيبها.
الثانية: بل إن الرجم بالكلمات والنظرات والأوامر والنواهي أشد غلظة وحِدّةً وقسوة مِنْ تلك التي تصفينها لي. إننا نحن النساء أمام مسؤولية عظمى ملقاة على عاتقنا لتحرير الرجل من هوسه الجنسي، ومن عبوديته للسلطة، ومن كراهيته لنفسه، ومن عالم المزايدات الدينية التي تخرج
بالدين الحنيف المقدس من جماله وكماله وروعته إلى قشور وبلاهة وبلادة.
الأولى: بل يحتاج الرجل أن يتعلم قبل كل شيء أن الله أكبر، وأن خالق السماوات والأرض أسمى من أن ننسب إليه، سبحانه وتعالى، الظلم الذي حرمه على نفسه. الرجل يحتاج لعلاج سريع قبل أن يُدَمّر
الكونَ كله، ويدمر نفسه وهو يهدم المعبد علينا جميعا. لازلت حتى الآن في صدمة عندما قرأتُ لشاب
يقول أنه عندما يرى فتاة أو امرأة تروق له، يتخيل أنها من الحور العين، ويمارس معها الجنس في خياله، ويظن، بل يؤمن أنه يحصل على الاثنين معا: متعة ممارسة الشهوة في خياله، والثواب في ايمانه بقرب الارتماء في أحضان ثلاث وسبعين حورية، بل إنَّ أحدَ الفقهاء أكد له أنه سيكون في حالة انتصاب
دائم في جنة الخلد.
الثانية: أتركك الآن فلدي موعد مع أحد حراس الفضيلة وقد أمرني بتغطية وجهي بخمار لا يبين منه حتى خيال العينين، فهو متزوج، ويخشى على بيته وأسرته، ولا يعرف أن ما يقوم به، سيفعل مثله أخي وربما أبي. إنها دائرة من النفاق الاجتماعي، ودفن النعام رؤوسه في الطين وليس فقط في الرمل.
الأولى: إنني أدعوك، أختي الصغيرة، إلى الالتزام بالقيم والمباديء والخير والشرف، وعندئذ لن يجد الرجلُ صَيده بتلك السهولة.
الثانية: في هذه الحالة سأنزع النقاب، وسأكشف عن وجهي، فأنا أيضا خلقني الله، ونفخ في من روحه. إنَّ نظرةً واحدة لمشهد الأرض البائسة حروباً وطائفيةً وفقراً يجعلنا نثق أنَّ أكثرَ أهلِ النار يوم
القيامة هم الرجال.