-
PDA

عرض كامل الموضوع : ميشيل كيلو يا عديم الشعور القومي! بشير البكر


بورخيس
31/10/2006, 20:58
لا يمكن في أي حال من الأحوال تقدير حجم الاضرار، أو احصاء الضحايا الذين سقطوا باسم القومية العربية تعسفا. ضرر لايقدر بمال لأنه يخص حياة عدة اجيال من عرب واكراد وسريان وآشوريين...إلخ . سقطوا في حروب وجولات عنف ماتزال متواصلة. لن يكون في مقدرونا أن نعرف اعدادهم ليس فقط لكثرتهم، بل لأن مقاييس التعسف والاستبداد، ما تزال سارية المفعول الى يومنا هذا.

الشعور القومي، والشرف القومي، والواجب القومي: شعارات نكبنا بها ضباط البعث، الذين استولوا على السلطة في سوريا والعراق عن طريق الانقلابات العسكرية. وقد ترتب على كل شعار نكسات كبيرة، لأن الغرض منها لم يكن بعث الحياة في أوصال الأمة المريضة، قدر تحويل الشعار الى اداة قهر. فباسم الشعور القومي صارت العروبة حركة عنصرية، ودسنا كعرب على حقوق الاقليات التي تشاركنا الاوطان .انكرنا وجودها وحقها في الحياة. ولو كانت قيضت لنا امكانات فعلية لما ترددنا عن ارتكاب الجريمة التي ارتكبها هتلر بحق اليهود. ألا تعد "الأنفال" في العراق نوعا من "المحرقة" والابادة الجماعية، ألا يشكل منع نحو ربع مليون كردي سوري من حق الجنسية جريمة بحق الانسانية، لا تقل بشاعة عن جرائم التطهير العرقي، التي قام بها ميلوسيفيتش في البوسنة؟

يجب أن نعترف اننا بسبب الحمى القومية المزمنة، ما نزال نريد أن نرمي الآخرين في البحر، أو ما وراء الحدود. ليس اليهود، بل الاكراد والسريان، وحتى العرب الذين لا يشاركوننا الرأي. يجب ان نقر بأننا لا نريد الآخرين بيننا، ولو رحلوا دفعة واحدة الى الجحيم لما أبدينا عليهم أي أسف. ألم تلاحظوا كيف تم تفريغ الجزيرة السورية من المسيحيين العرب، وجرى استقدام وتجنيس اقوام من تركيا تنتمي الى طائفة أخرى؟

يغمرنا السرور وكأننا الوحيدون الذي اكتشفنا الشعور القومي، الذي غرسه فينا حزب البعث صاحب الرسالة الخالدة. الشعور الزائف بالشرف والامتلاء الكاذب بالواجب. ألم يقف بطل "أم المعارك" ليقول أمام المحكمة انه غزا الكويت للدفاع عن شرف العراقيات؟!

ليس هناك ما يبعث على الأمل من أننا سوف نشفى من هذا الداء الرهيب، ونغسل انفسنا مما علق بها من آثام الارتكابات البعثية الخطيرة، من ميشيل عفلق حتى بشار الأسد. ولا يبدو أن الوقت قد حان لنصحو على هول الهاوية، التي دفعنا اليها هذا الخطاب الدموي. ولا ندري كيف سوف يدرك أشاوس البعث المهزوم في العراق والمأزوم في سوريا، بأن القومية تحولت بسببهم الى وصمة عار، لكثرة ما امتهنوها وتاجروا باسمها، وزايدوا بها على الخصوم القريبين والبعيدين! لقد أصبحت القومية بسبب هذا التوظيف غير الاخلاقي، مرادفا لحافظ الاسد وصدام حسين والقذافي ومعن بشور وخير الدين حسيب.

لست ممن يلتقون مع جلال طالباني، لكني شعرت به اكثر نبلا من صدام حسين، الذين لم يتورع عن استخدام السلاح الكيماوي ضد جزء من شعب العراق وهم الاكراد. لقد أعلن الطالباني أكثر من مرة انه لن يوقع عقوبة الاعدام بحق "قائد الضرورة". إن الالتفاتة تتجاوز هنا عفو الضحية عن الجلاد الى درس في الاخلاق، ما يحتم اعادة تأهيل انساني لحكام الغفلة ، الذين وصلوا الى السلطة عن طريق الدبابة او الوراثة، كما هو الحال في سوريا اليوم.

أريد من هذا المدخل أن اصل للحديث عن التهمة الغريبة التي ألحقت بالكاتب ميشيل كيلو، وهي "العمل على اضعاف الشعور القومي". وأرجو بهذه المناسبة ، أن تعرّف لنا السلطة السورية مرة واحدة، ما المقصود بالشعور القومي،وما هو سقفه ومعاييره ووسائل قياسه، واين يبدأ واين ينتهي، ومتى يكون قويا ومتى يصبح ضعيفا وكيف، وما هي وسيلة التأكد من ان شخصا ما يتحلى بشعور قومي قوي، وآخر بشعور قومي ضعيف. وهل هناك وصفة معينة لرفع منسوب الشعور القومي تباع في صيدليات البعث، كالتي توصف للتحكم بضغط الدم. وهل تنسحب نفس مقاييس الشعور القومي على الجميع. أي بمعنى آخر اذا قصّر الحاكم في واجبه القومي ، هل يحق للجماهير ان تحاكمه بتهمة ضعف الشعور القومي، ثم ما علاقة الشعور القومي بالشعور الطائفي، وهل العلاقات الاستراتيجية مع ايران وقطر تقوي من الشعور القومي، مع العلم ان الأولى تتصرف كامبراطورية فارسية، ولا تخفي الثانية علاقاتها الديبلوماسية مع اسرائيل. وبعد ذلك هل يؤدي تدمير بلد مثل سوريا من طرف المافيا الطائفية الحاكمة، وتشتيت طاقاته البشرية ونهب ثرواته تجسيدا للشعور القومي ام اضعافا له، وما ذا يعني حكم الاقلية، واين يقع في خانة تصنيف الشعور القومي. وأخير ما ذا تعني الحملة الكبيرة الجارية لنشر المذهب الشيعي في سوريا، ودفع السنة الى ترك مذهبهم ، وما صلة ذلك بالشعور القومي؟

كيف يمكن لكاتب يعيش في بلد لا تصدر فيه سوى صحف الحزب الواحد، ان يصبح خطرا على الشعور القومي؟ ميشيل كيلو لا يمتلك فضائية واسعة الانتشار مثل "الجزيرة" ليروج لاضعاف الشعور القومي، وليس لديه امكانيات الصحافية ماريا معلوف للتأثير في الرأي العام. وهو ليس أمين عام حزب جماهيري مثل حزب البعث ليوظفه في دعوة اضعاف الشعور القومي، وليس صاحب شركة هاتف نقال ليرسل عن طريق "الإس إم إس" نداء لاضعاف الشعور القومي، وليس عضوا في المجلس الاستشاري للطائفة الحاكمة، وليس رجل اعمال...الخ. إذن كيف استطاع ان يرتكب هذه الجريمة من وراء ظهر الجميع؟ ثم لنفترض انه كان اقوى من عنتر، ونجح في مهمة اضعاف الشعور القومي، الذي ما انفك حزب البعث يغرسه منذ نصف قرن في نفوس الاجيال. ألا يستدعي ذلك اعادة نظر في الشعور القومي المجروح؟

لا خير في هذا الشعور القومي ، وليذهب الى الجحيم اذا كان على هذا القدر من الهشاشة، واذا كان كاتب لا يملك غير قلمه يستطيع ان ينزله من عليائه.
منقول

Zahi
01/11/2006, 01:47
شكرا صديقي العزيز بورخيس على نقلك المقال الرائع والمهم

راجيا منك زيادة النشاط في اتجاة التحرير