-
PDA

عرض كامل الموضوع : رسائل اخوان الصفا، و خلان الوفا


صفحات : 1 2 3 4 [5]

krimbow
24/08/2006, 20:23
فانظر يا أخي وتفكّر في هذه الحكمة الإلهية والعناية الربانية كيف جعلت ورتّبت كرة الأثير دون فلك القمر، وجعلتها ناراً بلا ضياءٍ كيما تحترق بحرارتها الدخانات الغليظة الصاعدة في الهواء، وتلطُف البخارات العفنة الكثيفة، ليكون الجوأبداً صافياً شفافاً. ولم تجعل تلك النار مُضيئةً، لأنها لوكانت مضيئة كالنيران التي عندنا، لمنعت أبصار الحيوان عن رؤية عالم الأفلاك والكواكب، وخاصةً الإنسان، لأنه لما مُنِع الكون هناك لم يُمنع الرؤية والنظر إليه، لكيما تشتاق النفوس إلى الصعود نحوها هناك، كما قال، جل ثناؤه: "إليه يصعد الكلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه" يعني به روح المؤمنين. وقال في منع روح الكافر: "لا تُفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يَلِج الجمل في سمّ الخياط." وقد جعلت الحكمة الإلهية أيضاً الومهرير حِجاباً بين كرة النسيم وكرة الأثير، لتمنع ببردها وهج الأثير عن الحيوان والنبات أن يُتلفها، ولتُبرّد البُخار وتَعقِده غيوماً ليكون أمطاراً تحيا به البلاد. وجعلت كرة النسيم مُعتدلة المِزاج، ولمّا كان سببها انعكاس شُعاعات الكواكب كما بينا قبل، وأكثرها أوكدّها هي الشمس، جُعِلت تارةً تغيب لبرد الجو، وتارةً تطلع لسخن الهواء، ولودامت بطلوعها، لدام الإسخان ولأفرط الحر، وكان ذلك فسادا كلّياً. وكذلك لودام مَغيبُها لبرد الجووجمدت المياه والرطوبات، وهلك النبات والحيوان من البرد. وكذلك جعل لها أن تميل إلى ناحية الجنوب، ليكون الصيف هناك، والشتاء في الشمال "ذلك تقدير العزيز العليم". وهذه من عظيم نعم الله خلقه وذلك معنى قوله تعالى: "قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سَرمداً إلى يوم القيامة، من إلهٌ غير الله يأتيكم بليلٍ تسكنون فيه، أفلا تُبصرون؟. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار" إلى قوله: "ولعلَّكم تشكرون".
وعلى هذا القياس لودام الشتاء والصيف لكان بواراً وفساداً للنظام، وكذلك إذا دام مدارها على سمت واحد. قال الله تعالى: "والشمس والقمر والنجوم مُسخراتٌ بأمره" تارةً غاربةٌ، وتارة طالعة، وتارة مائلة، إلى الشمال، وتارةً مائلة إلى الجنوب، وتارةً مرتفعة في الأوج، وتارة منحطة إلى الحضيض، وتارةً فوق الأرض، وتارةً تحتها، وتارةً موازية للبروج النارية، وتارةً للترابية، وتارة للهوائية، وتارةً للمائية، وتارة للبروج المنقلبة، وتارة في الثابتة، وتارة في ذوات الأجساد، وتارة مجتمعة، وتارةً متفرقة، وتارة ناظرة ينظُر بعضها إلى بعض، وتارة ساقطة، وتارة منفصلة، وتارة منصرفة، وتارة كالواقفة، وتارة راجعة، وتارة مستقيمة، وتارة شرقية، وتارةً غربية، وتارةً محترقة بنورها، وتارةً في بيوتها، وتارةً غُربةٍ، وتارةً في الشَّرف، وتارةًفي الهبوط.
هذه كلها من أوصافها وأحوالها لأغراضٍ موصوفة، وآجال معدودة لا يعلمها إلاّ هو: "وما خلق الله ذلك إلاّ بالحق" ولا يحيط أهل صناعة النجوم والخَلْقُ أجمع بشيء من علمه إلاّ بما شاء، وَسِعَ كُرسيُّه السموات والأرض، وقد ذكرنا طرفاً من هذا العلم في رسالة الأدوار، شبه النموذج والإشارة، فانظر فيها وتفكّر فيما ذكرنا، لعلّ نفسك تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، فتحيا حياة العلماء، وتعيش عيش السعداء مع الأبرار في دار القرار، مُنعّمة ملذّذةً فرحانة مسرورة أبد الآبدين؛ ولا تكن من الغافلين في أسفل السافلين في عالم المون والفساد، واستعدّ للرحيل قبل انقطاع المدة، وتزوّد فإن خير الزاد التقوى.

krimbow
24/08/2006, 20:24
فصل وأما الكواكب ذوات الأذناب
التي تظهر في بعض الأحايين قبل طلوع الشمس أوبعد غروبها، فإنها لا تحدث إلا في كرة الأثير قريباً من فلك القمر، والدليل على ذلك دوارنها مع فلك القمر، تارةً بالتقدم على توالي البروج كمسير الكواكب السيّارة، وتارةً بالتأخير كرجوعها.
وأما مادتها التي تتكون منها فهي دخان وبخار لطيفان يصعدان إلى هناك، فينعقدان بقوة زُحل وعطارد، وتكون شفافة كشفيف البلور؛ إذا اشرقت عليها الشمس شفّت من الجانب الآخر، فلا تزال تدور مع الفلك وتطلع وتغيب إلى أن تضمحل وتتلاشى، وكل هذه الحوادث التي ترى في ضوء الهواء إما بشاراتٌ من الله تعالى بالرُّخص والخصب والسلامة للناس والحيوان، والصلاح، وإما إنذاراتٌ وتخويفات من الحدثان والجدب والقحط والغلاء والزلازل والوباء والموت والخسوف والحروب والفتن، وذلك ليجعل العباد المكلفين يعتبرون بها ويرتدعون عن معصية الله، وينقادون إلى طاعة الله ويظهرون الدعاء والتضرع والتوبة والندم والتطوّع بالصوم والصلاة والصدقة والقرابين في الهياكل والمساجد والبِيَع والصلوات ليكون ذلك تلقيناً من الآباء للأولاد، ومن العلماء للجهال، وتنبيهاً للغافلين عن معرفة الله، عز وجل، وهدايةً لهم كما قال الله تعالى: "ثم إذا مسَّكم الضُّرّ فإليه تَجأرون".
فانظر يا أخي وتفكّر في ملكوت السموات والأرض، وما في الآفاق والأنفس من الآيات، وقل: "رَبنا ما خلقت هذا باطلاً، سبحانك، فَقِنا عذاب النار" واشهد معهم كما ذكر الله تعالى فقال: "شهد الله أنه لا إله إلاّ هو، والملائكة وأُولوالعلم، قائماً بالقسط" ولا تكن من الذين يمرُّون عليها وهم عن آياتها مُعرضون غافلةن، وهم الذين قال الله فيهم: "ما أشهدتُهم خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، وما كنت مُتّخذَ المُضلّين عَضُداً" وقال تعالى: "صُمٌّ بكمٌ عُميٌ فهم لا يعقِلون" أعاذك الله وإيانا من هذه الجهالة والعمى، ووفقنا لما هوأرشد وأهدى برحمته، إنه قريب مجيب.
تمت رسالة الآثار العُلوية، وهي الرسالة الرابعة في الطبيعيات، والسابعة عشرة من رسائل إخوان الصفاء، وتتلوها رسالة تكوين المعادن

krimbow
24/08/2006, 20:24
الرسالة الخامسة في تكوين المعادن
وهي الرسالة الثامنة عشرة من رسائل إخوان الصفاء
بسم الله الرحمن الرحيم

krimbow
24/08/2006, 20:25
الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، آلله خيرٌ أمّا يُشركون؟
فصل واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروحٍ منه،
أنّا قد بيّنا في رسالة الآراء والمذاهب بأن العالم محدَثٌ مُبدع مخترع كائن بعد أن لم يكن، وأن مُبدعه ومخترعه ومحدثه وخالقه ومُصوّره هوالباري جلّ جلاله، أبدعه كما شاء وكيف شاء بقوله تعالى: "كُنْ" فكان، كما بيّنا في رسالة المبادئ العقلية. فنريد أن نذكر في هذه الرسالة طرفاً من الحوادث والكائنات التي تتكون وتفسُد تحت فلك القمر، بطول الأزمان والدهور والأدوار، كما بيّنا أيضاً كيفية فناء العالم، وكيفية نشئ الآخرة والحشر والحساب والميزان والجواز على الصراط، والنجاة من النيران، والوصول إلى الجنان، وكيفية مجاورة الرحمن في رسالة البعث والقيامة، إذ قدّ تبيّن ببراهين منطقية ودلائل بأن عالم الأفلاك وجواهر أشخاصها لا تمتزج بعضها ببعض، ولا تختلط أجزاؤها، ولا يتكون منها شيء غيرها، بل هي باقيةٌ بما هي عليه الآن بطول الأزمان والدهور، وأنها أيضاً لا تتغير ولا تفسُد ولا تستحيل ما دامت لها هذه الحركة الدورية والأشكال الكروية، إلاّ أن يشاء باريها ومُبدعها وخالقها أن يطلبها دُفعةً واحدة، أوعلى التدريج، أويوقفها عن الدوران وهوأهون عليه: "وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم".
واعلم أن وقوف الأفلاك عن الدوران هوموت العالم وبُطلان حياة الكل، ومُفارقة النفس الكلية الفلكية عن الأجسام كلها دُفعةً واحدةً، وتلك هي القيامة الكُبرى والبوار الكلي وبُطلان الجملة، لأن موت كل شخص من أشخاص الحيوانات هومُفارقة نفسه جسده، وهي قيامته، كما قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: "من مات فقد قامت قيامته." وقد بيّنا في رسالةٍ لنا أن العالم إنسانٌ كبير، ذوجسم ونفس وحياة وعلم، فاعرف حقيقة ما ذكرناه من هناك.
وثم اعلم يا أخي أن الكائنات الفاسدات التي تحت فلك القمر هي خمسة أنواع، فمنها استحالة الأركان الأربعة بعضها إلى بعضٍ، كما بيّنا طرفاً من كيفية ذلك في رسالة الكون والفساد؛ ومنها حوادث الجووتغيرات الهواء، كما بيّنا طرفاً منها في رسالة الآثار العلوية، ومنها استحالة الكائنات الفاسدات التي تتكون وتنعقد في باطن الأرض وعمق البحار وجوف الجبال، وهي الجواهر المعدنية، كما سنبين طرفاً من طيفيتها في هذه الرسالة؛ ومنها استحالة النبات والأشجار، وهوكل جسم يتغذّى وينموكما بيّنا طرفاً منها في رسالة النبات؛ ومنها استحالة الحيوان، وهوكل جسم متحرك حسّاس، كما بيّنا طرفاً منها في رسالة الحيوانات بعد ذكر النبات.
واعلم أن هذه الأشياء التي ذكرنا أنها تتكون وتحدث وتتغير وتفسد بطول الزمان والدهور، وتناوب الليل والنهار، وتعاقب الشتاء والصيف على الأركان الأربعة، التي هي الأرض والماء والهواء والنار، إنما يكون باختلاف أحوالنا بحسب مُوجبات أحكام النجوم في القِرانات والأُلوف والأدوار، وبحسب أشكال الفلك ومَسيرات الكواكب، ومطارح شعاعاتها من الأوتاد والآفاق. ونريد أن نبيّن كيفية تكوين المعادن، وأسرار اختلاف جواهرها وأنواعها وخواصّها، ومنافعها مضارّها.
وإذ قد فرغنا من ذكر أدوار الأفلاك وحركات الكواكب وقِرانها في السنين والدهور، وكم هي، وكيف هي، وكيف يكون ذلك في رسالة لنا، فاعلم أن لكل كائنٍ وحادثٍ تحت فلك القمر أربع علل: علةٌ فاعليةٌ، وعلى هيولانية، وعلى صورية، وعلة تمامية. فالعلة الفاعلية للجواهر المعدنية، بإذن باريها جل جلاله، هي الطبيعة، وقد بيّنا ماهية الطبيعة وكيفية أفعالها في رسالة لنا. وأما العلة الهيولانية للجواهر المعدنية فهي الزِّئبَق والكبريت، كما سنبيّن في هذه الرسالة. والعلة الصورية هي دوران الأفلاك وحركات الكواكب حول الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض. وأما العلة التمتمية فهي المنافع التي ينالها الإنسان والحيوانات جميعاً من هذه الجواهر المعدنية بإذن الله، جلّ جلاله.

krimbow
24/08/2006, 20:25
فصل اعلم يا أخي
أن الجواهر المعدنية مختلةٌ في طباعها
وطُعومها وألوانها وروائحها، كلّ ذلك بحسب اختلاف تُرب بقاع معادِنها مياهها وتغييرات أهويتها، وذلك أن كرة الأرض بجملتها وجميع أجزائها، وعُمقها وظاهرها وباطنها، طبقاتٌ، سافٌ فوق سافٍ، متلبِّدة، مُنعقدة، مختلفة التركيب والخلقة. فمنها صخورٌ وجبال صلبة، وأحجار وجَلامِد صَلدةٌ، وحصيّات مُلسٌ، ورجالٌ جريشةٌ، وطين رخو، وتراب لين، وسباخٌ وشروجٌ بعضها مختلط ببعضٍ، أومتجاورةٌ كما وصفها الله تعالى بقوله: "وفي الأرض قِطَعٌ متجاورات" وهي مختلفة الألوان والطعوم والروائح، فمن ترابها وطينها وأحجارها حمرٌ وبيضٌ وزرقٌ وصفرٌ، كما ذكر الله تعاى بقوله: "ومن الجبال جُدَدٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانها، وغرابيب سودٌ. " ومن ترابها وطينها ما هوعذب مذاقه، ومرّ طعمه، أومالح أوعَفِصٌ أوحامض أوحلو. ومنه ما هوطيب شمه، ومُنْتِنٌ رائحته، فإن الأرضبجُملتها كثيرة التخلخل والثقب والتجاويف والعروق والجداول والأنهار، داخلها وخارجها، كثيرة الأهوية والمغارات والكهوف، وكلّ هذه مملوءةٌ من المياه والبخارات، وتكون طعوم تلك المياه وروائحها وغِلظها ولطافتها وثِقلها وخفتها بحسب تربة بقاعها وطين مكانها وأجوافه وقرارات مستنقعاتها.

krimbow
24/08/2006, 20:26
فصل واعلم بأن الجواهر المعدنية ثلاثة أنواع

فمنها ما يتكون في التراب والطين والأرض والسبخة ويتم نضجه في السنة أوأقل منها، كالكبريت والأملاح والشُّبوب والزَّاجات وما شاكلها. ومنها ما يتكوّن في قعر البحار وقرار المياه، ولا يتم نضجه إلا في سنة أوأكثر منها، كالدُّرّ والمرجان، فإن أحدهما نباتي وهو المرجان، والآخر حيواني والدُّرّ. ومنها ما يتكوّن في كهوف الجبال وجوف الأحجار، وخلل الرمال، ولا يتم نضجه إلا في سنين كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص وما شاكلها. ومنها ما لا يتم نضجه إلاّ في عدد سنين، كالياقوت والزّبرجد والعقيق وما شاكلها. ونريد أن بيّن ونصف طرفاً من كيفية تكوين كل نوع من هذه، ليكون دلالةً على سائرها، ولكن نحتاج، قبل وصفنا هذه الأشياء، أن نذكر صورة الأرض وكيفية قِسمةِ أرباعها، وصفات تلك الأرباع كيف تتغير أحوالها، وكيف تتبدّ لصفاتها في الدهور والأزمان الطول فنقول: إن الأرض بجميع ما عليها من البحار والجبال والبراري والأنهار والعمران والخراب هي كرة واحدة مُعلّقة في الهواء في مركز العالم بإذن الله، جل حلاله، كما بيّنا في رسالة الجغرافيا، فنقول إن الأرض بجملتها نِصفان، نصفٌ شمالي، ونصف جنوبي، وظاهر كل قسم منها ينقسم إلى نصفين، فتكون جُملته أربعة أرباع، كل ربع منها موصوف بأربعة أنواع، فمنها مراضع براري وقفار وفلوات وخراب. ومنها مواضع البحار والأنهار والآجام والغُدران. ومنها مواضع الجبال والتلال والارتفاع والانخفاض. ومنها مواضع المراعي والقُرى والمدن والعُمران.
واعلم يا أخي أن المواضع تتغير وتتبدل على طول الدهور والأزمان، وتصير مواضع الجبال براري وفلوات، وتصير مواضع البراري بحاراً وغدراناً وأنهاراً، وتصير مواضع البحار جبالاً وتلالاً وسباخاً وآجاماً ورمالاً، وتصير مواضع العمران خراباً، ومواضع الخراب عمراناً، فوجب أن نذكر طرفاً من هذه الأوصاف، إذ كان هذا الفن من العلوم الغربية البعيدة عن أفكار كثيرٍ من أهل المرتاضين، فضلاً عن غيرهم.
واعلم بأن كل ثلاثة آلاف سنة تنتقل الكواكب الثابتة، وأوجات الكواكب السيارة وجَوْزَهْراتها في البروج ودرجاتها. وفي كل تسعة آلاف سنة تنتقل إلى ربعٍ من أرباع الفلك. وفي كل ستةٍ وثلاثين ألف سنة تدور في البروج الاثني عشر دورةً واحدة. فبهذا السبب تختلف مُسامتات الكواكب ومطارح شُعاعاتها على بقاع الأرض وأهوية البلاد، ويختلف تعاقب الليل والنهار والشتاء والصيف عليها، إما باعتدالٍ واستواء، أوبزيادة ونقص وإفراطٍ من الحرارات والبرودات، واعتدالٍ منهما. وتكون هذه أسباباً عللاً لاختلاف أحوال الأرباع من الأرض، وتغييرات أهوية البلاد والبقاع وتبديلها بالصفات من حال إلى حال.
ويعرف حقيقة ما قلنا الناظرون في علة المجسطي وعلوم الطبيعيات، فتصير بهذه العلل والأسباب مواضع العمران خراباً، ومواضع الخراب عُمراناً، ومواضع البراري بحاراً، ومواضع البحار براري وجبالاً. ويعرف حقيقة ما قلناه وصحة ما ذكرناه الناظرون في علم الطبيعيات والإلهيات، الباحثون عن علل الكائنات الفاسدات التي تحت مقعد فلك القمر وكيفية تغييراتها، ولكن نريد أن نصف طرفاً من كيفية تكوين الجبال في البحار، وكيف يصير الطين اللين أحجاراً، وكيف تنكسر الأحجار فتصير منها حصىً ورملاً، وكيف تحملها سيول الأمطار إلى البحار في جريان الأودية والأنهار، وكيف ينعقد من ذلك الطين والرمال في قعور البحار حجارةً وجبالاً.
والعم يا أخي أن البحار هي كالمستنقعات على وجه الأرض، فإن الجبال منها كالمنّيات والبريدات لها لتفصل البحار بعضها من بعضٍ، ولئلا يكون وجه الأرض كله مُغطىً بالماء، وذلك أنه لوتكن الجبال علة وجه الأرض، وكان وجهها مستديراً مَلِساً، لكانت مياه البحار تنبسط على وجهها وتغطّيها من جميع جهاتها، وتحيط بها كإحاطة كرة الهواء بالأرض كلها، وكان وجه الأرض كله بحراً واحداً، ولكن العناية الإلهية والحكمة الربانية قد قضت أن يكون وجه الأرض بعضه مكشوفاً ليكون مسكناً لحيوان البرّ، وبعضه لمنابت العشب والأشجار والزروع، إذ كانت هذه غذاء الحيوانات ومادةً لأجسادها "ذلك تقدير العزيز العليم".

krimbow
24/08/2006, 20:27
واعلم يا أخي أن الأودية والأنهار كلّها تبتدئ من الجبال والتلال، وتمرّ في مسيلها وجريانها نحوالبحار والآجام والغُدران، وأن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر والكواكب عليها بطول الأزمان والدهور، تُنشَف رطوباتُها، وتزداد جفافاً ويبساً، وتنقطع وتنكسر، وخاصةً عند انقضاض الصواعق، وتصير أحجاراً وصخوراً أوحصىً ورمالاً. ثم إن الأمطار والسيول تحط تلك الصخور والرمال إلى بطون الأودية والأنهار، ويحمل ذلك شدة جريانها إلى البحار والغدران والآجام. وإن البحار، لشدة أمواجها وشدة اضطرابها وفورانها، تبسط تلك الرمال والطين والحصى في قعرها سافاً على سافٍ بطول الزمان والدهور، ويتلبّد بعضها فوق بعض، وينعقد وينبت في قعور البحار جبالاً وتلالاً، كما تتلبد من هبوب الرياح أدعاص الرمال في البراري والقفار.
واعلم يا أخي أنه كلما انطمّت قعور البحار من هذه الجبال والتلال التي ذكرنا أنها تنبت، فإن الماء يرتفع ويطلب الاتساع، وينبسط على سواحلها نحوالبراري القفار، ويغطسها الماء، فلا يزال ذلك دأبه بطول الزمان، حتى تصير مواضع البراري بحاراً، ومواضع البحار يبساً وقفاراً، وهكذا لا تزال الجبال تنكسر وتصير أحجاراً وحصىً ورمالاً، تحطّها سيول الأمطار، وتحملها إلى الأودية والأنهار بجريانها حتى البحار، وتنعقد هناك كما وصفنا، وتنخفض الجبال الشامخة، وتنقص وتقصر حتى تستوي مع وجه الأرض. وهكذا لا يزال ذلك الطين والرمال تنبسط في قعر البحار، وتتلبد وتنبت عنها التلال والروابي والجبال، وينصب من ذلك المكان الماء حتى تظهر تلك الجبال وتنكشف هذه التلال، وتصير جزائر وبراري، ويصير ما يبقى من الماء في وهادها وقعورها بحيراتٍ أوآجاماً أوغدراناً، وينبُت فيها القصب والأوحال، فلا تزال السيول تحمل إلى هناك الطين والرمال والوحول، حتى تجفّ تلك المواضع وتنبت هناك الأشجار والعِكرِشُ والعشب، وتصير مواضع للسباع والوحوش؛ ثم يقصدها الناس لكلب المنافع والمرافق من الحطب والصيد وغيرها. وتصير مواضع الزروع والغروس والنبات بُلداناً وقرى ومدناً يسكنها الناس.
واعلم يا أخي أن هذه البحار التي ذكرنا أنها كالمستنقعات على وجه الأرض، وبينها جبالٌ شامخة وهي كالمُسنّيات لها، وهي متصلةٌ بعضها ببعض، إما بخلجانٍ بينها على ظاهر الأرض، وإما بمنافذ لها وعروقٍ في باطن الأرض، وأن في وسط هذه البحار جزائر كثيرة صغاراً وكباراً، وأنهاراً؛ ومنها عامرةٌ بالناس فيها مزارع وقرىً ومدن وممالك. ومنها براري وقفارٌ فيها جبال وآجام تسكنها سباع ووحوش وأنعام وأنواع من الحيوانات لا يعلم كَثرتها إلاّ الله. وفي وسط تلك الجزائر بُحيرات صغار وكبار، وأنهارٌ وغُدران وآجام. ومنها ما مياهها عذبةٌ، ومنها مالحةٌ شديدة الملوحة، ومنها دون ذلك مختلفةٌ أحوالها وأوصافها، فلنذكر طرفاً من عللها ليعلم حقيقة ما قلنا وصحة ما وصفنا:

krimbow
24/08/2006, 20:27
أما علة هيجان البحار، وارتفاع مياهها، وبروزها علة سواحلها، وشدّة تلاطم أمواجها، وهبوب الرياح في وقت هيجانها إلى الجهات الخمس قي أوقات مختلفةٍ من الشتاء والصيف والربيع والخريف، أوائل الشهور وأواخرها، وساعات الليل والنهار، فهي من أجل أن مياهها إذا حميت في قرارها وسخنت لَطُفت وتحللت طلبت مكاناً أوسع مما كانت فيه قبل، فيتدافع فيه بعض أجزائها إلى الجهات الخمس فوقاً وشرقاً وجنوباً وشمالاً وغرباً للاتساع، فيكون في الوقت الواحد على سواحلها رياحٌ مختلفة في جهات مختلفة. وأما علة هيجانها في وقتٍ دون وقتٍ فهوبحسب شكل الفلك ومطارح شُعاعاته على سطوح تلك البحار من الآفاق، والأوتاد الأربعة، واتصالات القمر بها عند حلوله في منازله الثمانية والعشرين، كما هومذكور في كتب أحكام النجوم. وأما علة مدود بعض البحار في وقت طلوع القمر ومغيبه دون غيرها من البحار فهي من أجل أن تلك البحار في قرارها صخورٌ صُلبة، فإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر، وصلت مطارح شُعاعاته إلى تلك الصخور والابحار التي في قرارها، ثم انعكست من هناك راجعةً، فسخنت تلك المياه وحَمِيت ولطفت، وطلبت مكاناً أوسع، وارتفعت إلى فوق، ودفع بعضها بعضاً إلى فوق، وتموّجت إلى سواحله وفاضت على سطوحها وأرجعت مياه تلك الأنهار التي كانت تنصبّ إليها إلى خلف، فلا يزال ذلك دأبها ما دام القمر مُرتفعاً إلى وتد سمائه، فإذا انتى إلى هناك وأخذ ينحطّ، سكن عند ذلك غليان تلك المياه، وبردت وانضمت تلك الأجزتء، وغلُظت ورجعت إلى قرارها، وجرت الأنهار على عاداتها، فلا يزال ذلك دأبها إلى أن يبلغ القمر إلى أُفق تلك البحار الغربيّ منها. ثم يبتدئ المدّ على مثل عادته وهوفي الأفق الشرقي، ولا يزال ذلك دأبه حتى يبلغ القمر إلى وتد الأرض، أخذ المدّ راجعاً إلى أن يبلغ القمر إلى أُفقه الشرقي من الرأس و"ذلك تقدير العزيز العليم". فإن قيل: لم لا يكون المد والجزر عند طلوع الشمس وإشراقها على سطوح هذه البحار؟ فقد بيّنا علّة ذلك في رسالة العلل والمعلول فاطلبها من هناك إن شاء الله تعالى.
وأما علة اختلاف تصاريف الرياح من الجهات الستّ، في أوقات الليل والنهار، والشتاء والصيف، فقد ذكرناها في رسالة الآثار العلوية.
وأم الجبال التي ذكرناها بأنها كالمُسنّيات للبحار والبريدات لها فهي راسية في الأرض أُصولها، شامخةٌ في الجورؤوسها، شاهقٌ في الهواء ارتفاعها، ممتدّ علة وجه الأرض بأطوالٍ ما بين مائتي فرسخ إلى ألف. فمنها ما هومن المشرق إلى المغرب، ومنها ما هومن الشمال إلى الجنوب، ومنها ما هونكباواتٌ بين هذه الجهات، مذكورةٌ في جغرافيا بعض أوصافها.

krimbow
24/08/2006, 20:36
واعلم أن الجبال التي ذكرناها منها ما هوصخور صَلدة، وحجارة صُلبة، وصفوانٌ أملس، فلا ينبت عليه النبات إلا شيءٌ يسير، مثل جبال تهامة. ومنها ما هي صخورٌ رخوة، وطينٌ لينٌ، وترابٌ ورملٌ وحصاةٌ مختلفة مُتلبدة، سافٌ فوق سافٍ، مُتماسك الأجزاء، وهي مع ذلك كثيرة الكهوف والمغارات والأودية والأهوية والعيون والجداول والأنهار والأشجار، كثيرة النباتات والحشائش والأشجار، مثل جبال فلسطين، وجبال لُكّام وطبرستان، وغيرها. وأما الكهوف والمغارات والأهوية التي في جوف الأرض والجبال، إذا لم يكون لها منافذ تخرج منها المياه، بقيت تلك المياه هناك محبوسة زماناً، وإذا حمي باطن الأرض وجوف تلك الجبال، سَخِنت تلك المياه ولطفت وتحللت وصارت بخاراً، والاتفعت وطلبت مكاناً أوسع، فإن كانت الأرض كثيرة التخلخل، تحلّلت وخرجت تلك البخارات من تلك المنافذ، وإن كان ظاهر الأرض شديد التكاثف حصيفاً منعها من الخروج، وبقيت محتبسةً تتموج في تلك الأهوية لطلب الخروج، وربما انشقت الأرض في موضع منها، وخرجت تلك الرياح مفاجأةً، وانخسف مكانها، ويُسمع لها دويُّ وهدةٍ وزلزلة. وإن لم تجد لها مخرجاً، بقيت هناك محتبسةً، وتدوم تلك الزلزلة إلى أن يبرد جوتلك المغارات والأهوية، ويغلظ. ومتى تكاثفت تلك البخارات واجتمعت أجزاؤها وصارت ماء، خرَّت راجعة إلى قرار تلك الكهوف والمغارات والأهوية، ومكثت زماناً، وكلما طال وقوفها ازدادت صفاءً وغلظاً، حتى تصير زءبقاً رجراجاً، وتختلط بتربة تلك المعادن، وتتحد بحرارة المعدن دائماً في إنضاجها وطبخها، فتكون منها ضروبٌ من الجواهر المعدنية المختلفة الطبائع كما سنبيّن. وأما على اختلاف مياه العيون والينابيع التي في جوف الأرض وكهوف الجبال، من العذوبة والملوحة والحموضة والعُفوصة الكبريتية منها، والنفطية، والدهنية، وعلة حرارتها في الشتاء، وبردها في الصيف، وما كان على حالةٍ واحدةٍ في جميع الأوقات، فهي بحسب اختلاف ترب بقاعها، وتغييرات أهوية مكانها والعوارض التي تعرض لها، ونحتاج إلى أن نذكر طرفاً من عللها ليكون قياساً على البقية فنقول: أما على حرارة مياه أكثر العيون في الشتاء، وبردها في الصيف، فهي من أجل كون الحرارة والبرودة ضدين لا يجتمعان في مكان واحد، فإذا جاء الشتاء وبرد الجو، فرّت الحرارة فاستجنّت في باطن الأرض، فسخنت تلك المياه التي في باطنها وعمقها، فإذا جاء الصيف وحمي الجو، فرّت البرودة واستجنّت في باطن الأرض، وبردت تلك المياه التي في باطنها وعمقها. وأما علة حرارة بعض العيون في الصيف والشتاء على حالة واحدة فهي أن في باطن الأرض وكهوف الجبال مواضع تربتها كبريتية، فتصير تلك الرطوبات التي تنصب هناك دهنية، وتكون الحرارة فيها راسيةً دائمةً، بينها أوفوقها مياهٌ في جداول وعروقٍ نافذةٍ، فتسخن تلك المياه بمرورها هناك وحواجز عليها، ثم تخرج وتجري على وجه الأرض وهر حارةٌ وحامية، فإذا أصابها نسيم الهواء وبرد الجوبردت، وربما جمدت، إذا كانت غليظةً، وانعقدت وصارت زئبقاً، أورصاصاً، أوقيراً، أونفطاً، أوملحاً، أوكبريتاً، أوبُورقاً، أوشبّاً، أوما شاكل ذلك بحسب اختلاف ترب البقاع وتغييرات الأهوية. وأما علة ملوحة مياه عامة البحار فهي بعناية من الباري، جل ثناؤه، وحكمة إلهية، لما فيه من الصلاح الكلي والنفع العام؛ وذلك أن البخارات المتصاعدة منها في الجو، إذا اختلطت أجزاؤها مع الهواء، وتموجت إلى الجهات، دبغتها وملّحتها، ومنعتها من العفن والتغيير والفساد، فلولا ذلك لهلكت الحيوان المستنشقة للهواء، دُفعة واحدة، وهكذا أيضاً تمتنع ملوحة مياه البحر من أن تأسن أوتتغير، فيكون ذلك هلاك حيوان البحر جملة واحدة. ولهذه العلة أيضاً شدة أمواج البحار في أكثر الأوقات، يختلط أعلاها بأسفلها، وأسفلها بأعلاها، لئلا تغلظ بطول الوقوف غلظاً شديداً، أوتجمد، فتكون أرضاً كلها. ولهذه العلة أيضاً إشراق الشمس والكواكب عليها، وتسخينُها لها، ومنعها من أن تغلظ وتجمد، وكذلك تفعل بالهواء والجوأيضاً، وذلك أنه لولا مطارح شعاعات الكواكب بالليل، لجمد الهواء في المواضع التي لا يطلع عليها الشمس والقمر زماناً كالتي تحت قطب الشمال والجنوب جميعاً. وأما عفوصة مياه بعض العيون فلأنها تجري إليها من مواضع تربها مياهٌ زاجيّةٌ، وهكذا حكم ما كان

krimbow
24/08/2006, 20:37
طعمه كبريتياً أونفطياً. كبريتياً أونفطياً.
واعلم أن في بعض المواضع يُرى من بعيدٍ، على رؤوس الجبال وبطون الأودية، نيرانٌ وضياءٌ بالليل والنهار، ودخانٌ معتكرٌ ساطعٌ في الهواء ومرتفع في الجو، وعلّته أن في جوف الجبال كهوفاً ومغارات وأهوية حارةً ملتهبةً تجري إليها مياه كبريتية أونفطية دهنية، فتكون مادة لها دائمة، وهي مثل التي بجزيرة صِقِلية وبجبل مزمهر من خوزستان، وفي بعض المواضع جبال تهب عليها رياح لينة دائماً، وجبال تهب عليها رياح باردة في أوقات مختلفة، وهي الجبال التي تكون عليها الثلوج عند ذوبانها، وذلك أنه يتحلل من تلك الرطوبات أجزاءٌ لطيفة تصير بخاراً، وترتفع في الهواء، فيدفعها إلى الجهات الخمس، أوإلى جهة دون جهة، مثل ما يهب في جبل الثلج الذي بدمشق، والذي ببلاد داور من جبال غُور، وجبل دوماند وما شاكلها من الجبال.
فأما الجبال التي تهب منها رياح لينة في دائم الأوقات، فمثل التي ببلاد باميان، وذلك أن هذا الجبل تخرج من أسفله عيون كثيرة، وحوله مروجٌ كثيرة، وتجري إلى تلك المروج أنهارٌ وجداول من غير أن تُرى عليه ثلوج وأمطار، بل تهب منها أبداً أرياح لينة، فهذا دليل على أن في جوف هذا الجبل مغارات وكه&#