-
PDA

عرض كامل الموضوع : رسائل اخوان الصفا، و خلان الوفا


صفحات : 1 2 3 [4] 5

krimbow
10/06/2006, 00:49
فصل في قوله وأن لا يستعمل البرهان الأعراض الملازمة وإن علة الشيء من ذاتياته، وكون المقدمة كلية.

قوله: أن لا يستعمل في البرهان الأعراض الملازمة، إنما هولأن الأعراض الملازمة لا تفارق الأشياء التي هي لازمة لها، كما أن العلة لا تفارق معلولها، وذلك أنه متى حكم على شيء بأنه معلول، فقد وجب أن له علة فاعلة له. والأعراض الملازمة، وإن كانت لا تفارق، فليست هي فاعلة له. مثال ذلك أن الموت، وإن كان لا يفارق القتل، فإنه ليس له بعلة، ولا القتل أيضاً علة للموت ذاتية، إذ قد يكون موت كثير بلا قتل، فلا يكون معلول بلا علة. وأما قوله: وأن تكون العلة ذاتية للشيء، فإنما قال هذا من أجل أنه قد يكون للشيء الواحد علل عرضية، ولكنها لا تكون مستمرة في جميع أنواع ذلك الجنس، ولا جميع أشخاص النوع، كالقتل الذي هوعلة عرضية للموت غير مستمرة في جميع أنواعه، ولكن تحتاج أن تكون العلة ذاتية، حتى تكون القضية صادقة قبل العكس وبعده، كقولك: كل ذي لون فهو جسم، فإذا عكسته وقلت: وكل جسم فهو ذولون، لأنه لا يوجد شيء ذولون إلا وهوجسم، فإذاً الجسم علة ذاتية لذي اللون.
وأما قوله: وأن تكون المقدمة كلية، فمن أجل أن المقدمات الجزئية لا تكون نتائجها ضرورية ولكن ممكنة، كقولك: زيد كاتب، وبعض الكتاب وزير، فيمكن أن يكون زيد وزيراً، وأما إذا قيل: كل كاتب فهو يقرأ، وزيد كاتب، فإذاً زيد بالضرورة قارئ.
فصل في أن الحكم بالصفات الذاتية وأما قوله: وأن يكون كون المحمول في الموضوع كوناً أولياً، فمن أجل أن المحمولات في الموضوعات على نوعين، منها أوليات، ومنها ثوان، مثال ذلك: كون ثلاث زواية في كل مثلث كوناً أولاً، لأنها هي الصورة المقومة له، فإما أن تكون حادة أوقائمة أومنفرجة، فهو كون ثان. فقد استبان أنه لا يستعمل في القياس البرهاني إلا الصفات الذاتية الجوهرية، وهي الصورة المقومة للشيء، وبها يكون ذلك الحكم المطلوب الذي يخرج في النتيجة الصادقة.
وأعلم يا أخي أن الصفات الذاتية الجوهرية ثلاثة أقسام: جنسية ونوعية وشخصية، كما بينا في رسالة إيساغوجي، فأقول، واحكم حكماً حتماً كما تعلمه ولا تشك فيه: بأن كل صفة جنسية فهي تصدق عند الوصف على جميع أنواع ذلك الجنس ضرورة. وهكذا أيضاً كل صفة نوعية فهي تصدق على جميع أشخاص ذلك النوع عند الوصف لها. فهذه الصفات هي التي تخرج في النتيجة صادقة، فاستعملها في البرهان، واحكم بها. وأما الصفات الشخصية فإنها ليس من الضرورة أن تصدق على جميع النوع، ولا كل صفة نوعية تصدق على جميع الجنس، فلا تستعملها في البرهان، ولا تحكم بها حكماً حتماً، فإنك لست منها على حكم يقين. فقد عرفت واستبان لك أن الحكماء والمتفلسفين ما وضعوا القياس البرهاني إلا ليعلموا به الأشياء التي لا تعلم إلا بالقياس، وهي الأشياء التي لا يمكن أن تعلم بالحس ولا بأوائل العقول، بل بطريق الاستدلال وهوالمسمى البرهان.
وأعلم يا أخي بأن لكل صناعة أهلاً، ولأهل كل صناعة أصولاً في صناعتهم، هم متفقون عليها، وأوائل في علومهم لا يختلفون فيها، لأن أوائل كل صناعة مأخوذة من صناعة أخرى قبلها في الترتيب.
فصل في أن صناعة البرهان نوعان وأعلم بأن أوائل صناعة البرهان مأخوذة مما في بداية العقول، وأن التي في بداية العقول مأخوذة أوائلها من طريق الحواس كما بينا قبل.
وأعلم أن صناعة البرهان نوعان: هندسية ومنطقية. فالأوائل التي في صناعة الهندسة مأخوذة من صناعة أخرى قبلها مثل قول أقليدس: النقطة هي شيء لا جزء له، والخط طول بلا عرض، والسطح ما له طول وعرض، وما شاكل هذه من المصادرات؛ المذكورة في أوائل المقالات. فهكذا أيضاً حكم البراهين المنطقية، فإن أوائلها مأخوذة من صناعة قبلها، ولا بد للمتعلمين أن يصادروا عليها قبل البرهان. فمن ذلك قول صاحب المنطق: إن كل شيء موجود، سوى الباري - جل جلاله- فهو إما جوهر وإما عرض. ومثل قوله: إن الجوهر هوالقائم بنفسه، القابل للمتضادات، وإن العرض هوالذي يكون في الشيء لا كجزء منه، يبطل من غير بطلان ذلك الشيء. ومثل قوله: إن الجوهر منه ما هوبسيط كالهيولى والصورة، ومنه ما هومركب كالجسم. ومثل قوله: إن كل جوهر فهو إما علة فاعلة أومعلول منفعل، ومثل قوله: كل علة فاعلة فهي أشرف من معلولها المنفعل. ومثل قوله: ليس بين السلب والإيجاب منزلة، ولا بين العدم والوجود رتبة، وإن العرض لا فعل له؛ وما شاكل هذه المقدمات التي يصادر عليها المتعلمون قبل البراهين.
وينبغي لمن يريد النظر في البراهين المنطقية أن يكون قد ارتاض في البراهين الهندسية أولاً، وقد أخذ منها طرفاً، لأنها أقرب من فهم المتعلمين، وأسهل على المتأملين، لأن مثالاتها محسوسة مرئية بالبصر، وإن كانت معانيها مسموعة ومعقولة، لأن الأمور المحسوسة أقرب إلى فهم المتعلمين.
وأعلم بأن البراهين سواء كانت هندسية، أومنطقية، فلا تكون إلا من نتائج صادقة، والنتيجة الواحدة لا بد لها من مقدمتين صادقتين أوما زاد على ذلك، بالغاً ما بلغ، مثال ذلك ما بين في كتاب أقليدس في البرهان على أن ثلاث زوايا من كل مثلث مساوية لزاويتين قائمتين، لم يكن ذلك إلا بعد اثنين وثلاثين شكلاً. وعلى هذا المثال سائر الأشكال تحتاج إلى براهين أخر، وأن مربع وتر؛ الزاوية القائمة مساو لمربعي الضلعين، لم يكن البرهان عليه إلا بعد ستة وأربعين شكلاً، ويسمى هذا الشكل بشكل العروس، وعلى هذا المثال سائر المبرهنات. وهكذا أيضاً حكم البراهين المنطقية، وربما تكفيه مقدمتان، وربما يحتاج إلى عدة مقدمات، مثال ذلك في البرهان على وجود النفس مع الجسم تكفي ثلاث مقدمات، وهي هذه: كل جسم فهو ذوجهات، وهذه مقدمة كلية موجبة صادقة في أولية العقل؛ والمقدمة الأخرى: وليس يمكن الجسم أن يتحرك إلى جميع جهاته دفعة واحدة، وهذه مقدمة كلية سالبة صادقة في أولية العقل؛ والمقدمة الثالثة: وكل جسم يتحرك إلى جهة دون جهة فلعلة ما تحرك، له مقدمة كلية صادقة في أولية العقل؛ فينتج من هذه المقدمات وجود النفس. والذي ينبغي ليبرهن بأنها جوهر لا عرض، أن يضاف، إلى هذه المقدمات التي تقدمت، هذه الأخرى: وكل علة محركة للجسم لا تخلوأن تكون حركتها على وتيرة واحدة في جهة واحدة، مثل حركة الثقيل إلى أسفل، والخفيف إلى فوق، فتسمى هذه علة طبيعية. وأما أن تكون حركتها إلى جهات مختلفة، وعلى فنون شتى بإرادة واختيار مثل حركة الحيوان، فتسمى نفسانية، وهذه قسمة عقلية مدركة حساً. وكل علة محركة للجسم بإرادة واختيار فهي جوهر، فالنفس إذاًجوهر، لأن العرض لا فعل له. وهذه مقدمات مقبولة في أوائل العقول، فينتج من هذه أن النفس جوهر.
فصل في كيفية البرهان على أنه ليس في العالم خلاء ومعنى الخلاء هوالمكان الفارغ الذي لا متمكن فيه، وليس يعقل في العالم مكان لا مضيء ولا مظلم، مقدمة كلية سالبة صادقة في أولية العقل.
مقدمة أخرى: وليس يخلوالنور والظلمة أن يكونا جوهرين أوعرضين، أوأحدهما جوهراً والآخر عرضاً، وهذه أقسام عقلية صحيحة.
مقدمة أخرى: فإن يكونا جوهرين، فإذاً الخلاء ليس بموجود، أوعرضين، فالعرض لا يقوم إلا في الجوهر، فالخلاء إذاً ليس موجوداً، وإن يكن أحدهما جوهراً، والآخر عرضاً، فهكذا الحكم.

krimbow
10/06/2006, 00:50
فصل في البرهان على أنه ليس في العالم لا خلاء ولا ملاء

أعلم يا أخي بأن الخلاء والملاء صفتان للمكان، والمكان صفة من صفات الأجسام، فإن كان خارج الفلك جسم آخر، فقولنا: العالم، نعني به ذلك الجسم مع الفلك جميعاً، فمن أين خارج العالم شيء آخر.

فصل في

معنى قول الحكماء هل العالم قديم أومحدث

فإن كان المراد بالقديم أنه قد أتى عليه زمان طويل، فالقول صحيح؛ وإن كان المراد به أنه لم يزل ثابت العين على ما هوعله الآن، فلا؛ لأن العالم ليس بثابت العين على حالة واحدة طرفة عين، فضلاً عن أن يكون لم يزل على ما هوعليه الآن، وذلك أن قول الحكماء في تسميتهم العالم إنما يعنون به عالم الأجسام، وهونوعان: فلكي وطبيعي. فأما الأجسام الطبيعية التي دون فلك القمر، فهي نوعان: الأركان الكليات والمولدات الجزئيات. فالمولدات دائماً في الكون والفساد، وأما الأركان الكليات فهي دائماً في التغير والاستحالة، لا يخفى هذا على الناظرين في الأمور الطبيعية. وأما الأجسام الفلكية فهي دائماً في الحركة والنقلة والتبدل في المحاذيات، فأين ثباتها على حالة واحدة، وأما أن يكون يراد بالثبات الصورة والشكل الكري الذي هوعليه في دائم الأوقات، فليعلم بأن الشكل الكري والحركة الدورية ليسا للجسم من حيث هوجسم، ولا مقومين لذاته، بل هما صورتان متممتان بقصد قاصد كما بينا في رسالة الهيولى والصورة. وكل صورة من الصور بقصد قاصد، لا يكون ثابتة العين، أبدية الوجود، وإنما يكون الشيء ثابت العين، أبدي الوجود بالصورة المقومة.
وأعلم يا أخي بأن الحافظ للعالم على هذه الصورة، هو سرعة حركة الفلك المحيط، والمحرك للفلك هو غير الفلك، وأن تسكين الفلك عن الحركة بطلان العالم، وإنما يكون طرفة عين كما قال- عز وجل-:" وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أوهو أقرب".
وأعلم بأنه إن وقف الفلك عن الدوران، وقفت الكواكب عن مسيرها، والبروج عن طلوعها وغروبها، وعند ذلك تبطل صورة العالم وقوامه، وتقوم القيامة الكبرى، وهذا لا محالة كائن، لأن كل شيء في الإمكان، إذا فرض له زمان بلا نهاية، فلا بد أن يخرج إلى الفعل؛ ووقوف الفلك عن الدوران من الممكن، لأن الذي يحركه يمكنه أن يسكنه، وهو أهون عليه وله المثل الأعلى. وقد بينا في رسالة المبادئ ما العلة في حدوث عالم الأجسام، وفي رسالة البعث والقيامة ما علة فناء عالم الأجسام.

krimbow
10/06/2006, 00:51
فصل في أن

الإنسان إذا ارتقى نفساً صار ملكاً

وأعلم يا أخي أن الإنسان إذا سلك في مذهب نفسه، وتصرف في أحوالها، مثل ما سلك به في خلق جسده وصورة بدنه، فإنه سيبلغ أقصى نهاية الإنسانية مما يلي رتبة الملائكة، ويقرب من باريه- عز وجل- ويجازى بأحسن الجزاء، مما يقصر الوصف عنه، كما وصف الله- عز وجل - فقال:" فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون". وأما ما سلك به في خلقه فهو أنه ابتدئ من نطفة من ماء مهين، ثم كان علقة؛ جامدة في قرار مكين، ثم كان مضغة؛ ثم كان جنيناً مصوراً تاماً، ثم كان طفلاً متحركاً حساساً، ثم كان صبياً ذكياً فهماً، ثم كان شاباً متصرفاً قوياً نشيطاً، ثم كان كهلاً مجرباً عالماً عارفاً، ثم كان شيخاً حكيماً فيلسوفاً ربانياً، ثم بعد الموت تكون نفسه ملكاً سماوياً روحانياً أبدي الوجود، ملتذاً مسروراً فرحاً باقياً سرمداً أبداً.
وأعلم يا أخي بأنك لم تنقل رتبة من هذه المراتب إلا وقد خلع عنك أعراض وأوصاف ناقصة، وألبست ما هو أجود منها وأشرف، فهكذا ينبغي أن لا ترتقي في درجة العلوم والمعارف، إلا وتخلع عن نفسك أخلاقاً وعادات وآراء ومذاهب وأعمالاً، مما كنت معتاداً لها منذ الصبى من غير بصيرة ولا روية، حتى يمكنك أن تفارق الصورة الإنسانية، وتلبس الصورة الملكية، ويمكنك الصعود إلى ملكوت السموات وسعة عالم الأفلاك، وتجازى هناك بأحسن الجزاء وأوفر الثواب، وتعيش بألذ عيش مع أبناء جنسك الذين سبقوك إليها من الحكماء والأخيار المؤمنين الأبرار، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وأعلم يا أخي بأن الإنسان مطبوع على استعمال القياس منذ الصبى، كما هو مجبول على استعمال الحواس بلا فكر ولا روية كما بينا قبل، ولكن قوانين القياسات مختلفة، كما قد تبين في كتب المنطق وشرائط الجدل بشرح طويل، ولكن نذكر منها طرفاً ليكون مثالاً على سائرها. فمن ذلك أن الصبيان يجعلون قوانين القياسات مختلفة، كما يجعلون قياساتهم أحوال أنفسهم وآبائهم وإخوانهم، وتصرفهم في الأمور، وما يجدون في منازلهم من الأشياء، أصولاً على سائر أحوال الصبيان وتصرف آبائهم، وما يكون في منازلهم، وإن لم يروهم ولم يشاهدوا أحوالهم، قياساً على ما عرفوا من أحوال أنفسهم. وأما العقلاء البالغون من الناس فإنهم جعلون قوانين قياساتهم ما عرفوه من الأمور، في متصرفاتهم وما قد جربوه من الأحوال، أصولاً يقيسون بها سائر الأشياء مما لم يشاهدوه ولا جربوه، بل قياساً إلى ما عرفوه حسب. وأما العلماء الذين يتعاطون الجدل ودقيق النظر، فإنهم يجعلون قوانين قياساتهم ما قد اتفقوا عليه هم وخصماؤهم، أصولاً ومقدمات يقيسون عليها ما هم فيه مختلفون، سواء كان ما اتفقوا عليه حقاً أوباطلاً، صواباً أوخطأً، وأما المرتاضون بالبراهين الهندسية أوالمنطقية فإنهم يجعلون قوانين قياساتهم الأشياء، التي هي في أوائل العقول، أصولاً ومقدمات، ويستخرجون من نتائجها معلومات أخرى ليست بمحسوسات ولا معلومات بأوائل العقول، بل مكتسبة بالبراهين الضرورية، ثم يجعلون تلك المعلومات المكتسبة مقدمات وقياسات، ويستخرجون من نتائجها معلومات أخرى هي ألطف وأدق مما قبلها؛ وهكذا يفعلون دائماً طول أعمارهم. ولوعاش الإنسان عمر الدنيا لكان له في تلك متسع.

krimbow
10/06/2006, 00:52
فصل في أن الحيوانات تتفاوت في الحواس

ومعلوماتها

وأعلم يا أخي بأن كل حيوان كان أكثر حواس فإنه يكون أكثر محسوسات، فأما الإنسان فله هذه الخمس بكمالها، ولكن كل من كان من الناس أكثر تأملاً لمحسوساته، وأكثر اعتباراً لأحوالها، كانت المعلومات التي في أولية العقل في نفسه أكثر. ومن كان بهذا الوصف وجعل هذه المعلومات الأولية مقدمات وقياسات، واستخرج نتائجها، كانت المعلومات البرهانية في نفسه أكثر. وكل من كان أكثر معلومات حقيقة، كان بالملائكة أشبه وإلى ربه أقرب.

فصل في المعلومات البرهانية

والأمور الروحية

وأعلم يا أخي بأن الإنسان العاقل اللبيب إذا أكثر التأمل والنظر إلى الأمور المحسوسة، واعتبر أحوالها بفكرته، وميزها برويته، كثرت المعلومات العقلية في نفسه. وإذا استعمل هذه المعلومات بالقياسات، واستخرج نتائجها، كثرت المعلومات البرهانية في نفسه. وكل نفس كثرت معلوماتها البرهانية، كانت قوتها على تصور الأمور الروحانية التي هي صورة مجردة عن الهيولى بحسب ذلك، وعند ذلك تشبهت بها وصارت مثلها بالقوة. فإذا فارقت الجسد عند الممات صارت مثلها بالفعل، واستقلت بذاتها، ونجت من جهنم عالم الكون والفساد، وفازت بالدخول إلى الجنة عالم الأرواح التي هي دار الحيوان، لوكانوا يعلمون أبناء الدنيا الذين يريدون الحياة الدنيا، ويتمنون الخلود فيها:" يود أحدهم لويعمر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر." فأعيذك أيها الأخ أن تكون منهم، بل كن من أبناء الآخرة وأولياء الله الذين مدحهم بقوله تعالى توبيخاً لمن زعم أنه منهم فقال- جل جلاله-:" قل: يا أيها الذين هادوا؛ إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين." فبادر يا أخي واجتهد في طلب المعارف الربانية واكتساب الأخلاق الملكية، وسارع إلى الخيرات من الأعمال الزكية قبل فناء العمر وتقارب الأجل، واغتنم خمساً قبل خمس، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: اغتنم فراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وصحتك قبل سقمك، وشبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وتزود فإن خير الزاد التقوى، فلعلك توفق للصعود إلى ملكوت السماء وسعة الأفلاك، وتدخل إلى الجنة عالم الأرواح بنفسك الزكية الروحانية. لا بجسدك الجثة الجرمانية، وفقك الله أيها الأخ للسداد، وهدانا وإياك للرشاد وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد إنه رؤوف بالعباد.
تمت الرسالة بعون الله سبحانه وتعالى، والحمد لله وحده، وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً، وبها تم القسم الأول في الرياضيات من كتاب" إخوان الصفا وخلان الوفا" ويتلوه القسم الثاني في الطبيعيات الجسمانية، أوله رسالة الهيولى والصورة.
\/رسائل الجسمانيات والطبيعيات

krimbow
10/06/2006, 00:52
الرسالة الاولى في بيان الهَيُولى والصورة والحركة

والزمان والمكان

وما فيها من المعاني إِذا أُضيف بعضها إِلى بعض وهي الرسالة الخامسة عشرة من رسائل إِخوان الصفاء بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، آللهُ خيرٌ أَمّا يُشرِ كون؟ اعلم أَيها الأَخ، أَيدك الله وإِيانا بروحٍ منه، أَنَّا قد فرغنا من الرسائل الرياضية بجُملتها حسب ما وعدنا في صَدر الكتاب، واستوفينا الكلام في ذلك حسب ما يليق بنا؛ فعلينا أن نشتغل بذكر القسم الثاني وهوفي "الجسمانيات الطبيعيّات" فلنبدأ بالرسالة الأوُلى منها في "الهَيُولى الصورة" فنقول: لما كان النظر في علم الطبيعيات جُزءاً من أَجزاء صِناعة إخواننا، أيّدهم الله، والأصلُ في هذا العلم هومعرفة خمسة أشياء، وهي الهَيُولى والصورة والحركة والزمان والمكان، وما فيها من معاني إذا أُضيف بعضها إلى بعض، احتَجنا أن نذكر في هذه الرسالة طرَفَاً من معاني الهَيُولى والصورة، شِبهَ المدخل والمقدمات، ليكون أقربَ من فَهم المبتدئين عند النظر في الطبيعيات، وأسهلَ على تعليمهم، فنقول: اعلم، وفَّقك الله، ان معنى قول الحكماء: "الهيولى" إنما يَعنون به كلّ جوهر قابلٍ للصورة، وقولُهم "الصورة: يَعنون به كل شكلٍ ونقشٍ يَقبَله الجوهر.
واعلم ان اختلاف الموجودات إنما هوبالصورة لا بالهيولى، وذلك أنا نجد أشياءَ كثيرةً جوهرها واحدٌ، وصُورُها مختلفة، مثالُ ذلك السكين والسيف والفأس والمنشار وكلُّ ما يُعمَل من الحديد من الآلات والأدوات والأواني، فإن اختلاف أسمائها من أجل اختلاف صورها، لا من أجل اختلاف جواهرها، لأن كلّها بالحديد واحدٌ. وكذلك الباب والكرسيُّ والسرير والسفينة وكلُّ ما يُعمَل من الخشب، فإن اختلاف اسمائها إنما هوبحسب اختلاف صورها، فأما هَيُولاها التي هي من الخشب فواحدةٌ. وعلى هذا المثال يُعتبر حال الهَيُولى والصورة في المصنوعات كلها، لأن كل مصنوع لا بُدّ له من هيولى وصورة يُركّب منهما.
واعلم أن الهيولى على أربعة أنواع، منها هَيُولى الصناعة، وهيولى الطبيعة، وهيولى الكُلّ، والهيولى الأولى. فهيولى الصناعة هي كلُّ جسم يَعمَلُ منه وفيه الصانع صَنعَته، كالخشب للنجارين، والحديد للحدّادين، والتراب والماع للبنائين، والغَزلِ للحاكة، والدقيق للخبّازين، وعلى هذا القياس كلُّ صانع لا بُدَّ له من جسم يَعمَل صَنعَته منه وفيه، فذلك الجسمُ هوهيولى الصِّناعة. أما الأشكال والنقوش التي يعملها فيها فهي الصورة، فهذا هومعنى الهيولى الطبيعية فهي الأركانُ الأربعة، وذلك أن كلَّ ما تحت فلك القمر من الكائنات أعني النباتَ والحيوانَ والمعادن، فمنها تتكوّنُ وإليها تستحيل عند الفساد. أما الطبيعة الفاعِلةُ لهذا فهي قوةٌ من قُوى النفس الكُلّيّة الفلكية، وقد بيّنّا كيفيّة فِعلهافي هذه الهَيُولى في رسالة أُخرى. وأما هيولى الكلّ فهي الجسم المُطلَق الذي منه جُملةُ العالم، وأعني الأفلاك والكواكب والأركان والكائنات أجمع، لأنها كلّها أجسام وإنما اختلافُها من أجل صُورها المختلفة. وأما الهيولى الأولى فهي جوهرٌ بسيط معقول لا يُدركه الحسُّ، وذلك أنه صورةُ الوجود حَسْبُ، وهو الهُوِيَّةُ. ولما قَبِلت الهوية الكميّة صارت بذلك جسماً مُطلقاً مشاراً اليه أنه ذوثلاثة أبعادٍ التي هي الطول والعَرض والعُمق، ولما قَبِلَ الجسمُ الكيفيّة وهي الشكل، كالتداوير والتثليث والتربيع وغيرها من الأشكال، صار بذلك جسماً مخصوصاً مُشاراً إليه، أيُّ شكلٍ هو؛ فالكيفية هي كالثلاثة، والكيفية هي كالاثنين، والهُوية كالواحد، وكما أن الثلاثة متأخرةُ الوجود عن الكميّة؛ وكما أن الاثنين متأخرة عن الواحد، كذلك الكميّة متأخرة الوجود عن الهُوية؛ والهُوية هي مُتقدمة الوجود عن الكميّةِ والكيفيةِ وغيرهما، كتقدم الواحد على الاثنين والثلاثة وجميع العدد.
ثم اعلم أن الهُوية والكمية والكيفية كلُّها صورٌ بسيطة معقولة غيرُ محسوسة، فإذا تُركت بعضُها على بعض صار بعضها كالهيولى، وبعضُها كالصورة، فالكيفيةُ هي صورةٌ في الكمية والكمية هيولى لها؛ والكمية هي صورةٌ في الهوية والهوية هيولى لها، والمثال في ذلك من المحسوسات أن القميص صورةٌ في الثوب، والثوب هيولى له، والثوب صورة في الغَزل، والغزل هيولى له، والغزل صورةٌ في القطنِ، والقطن هيولى له، والقطن صورةٌ في النبات، والنبات هيولى له، والنبات صورةٌ في الأركان وهي هيولى له، والأركان صورةٌ في الجسم، والجسم هيولى لها، والجسمَ صورةٌ في الجوهر، والجوهر هيولى له، وكذلك الخبزُ صورةٌ في العجين، والعجينُ هيولى له، والعجين صورةٌ في الدقيق، والدقيقُ هيولى له، والدقيق صورةٌ في الحَبِّ، والحبُّ هيولى له، والحبُّ صورة في النبات، والنباتُ هيولى له؛ والنباتُ صورة في الأركان، وهي هيولى له، وهي صورة في الجسم، والجسمُ هيولى لها؛ والجسمُ صورةٌ في الجوهر، والجوهرُ هيولى له.
وعلى هذا المثال يُعتَبرُ حال الصورة عند الهيولى، وحالُ الهيولى عند الصورة، إلى أن تنتهي الأشياء كلُّها إلى الهيولة الأولى التي هي صورة الوجود حَسْبُ، لا كيفية فيها ولا كمية، وهي جوهرٌ بسيط لا تركيب فيه بوجه من الوجوه، قابلٌ للصور كلِّها ولكن على الترتيب كما بيّنا لا أيَّ صورةٍ كانت، تأخرت أوتقدمت، بل الأول فالأول؛ مثال ذلك أن القطن لا يَقبلُ صورةُ الثوب إلا بعد قَبوله صورةَ الغَزَل، والغزلَ لا يَقبَلُ صورة القميص إلا بعد قَبوله صورة الثوب. وكذلك الحَبُّ لا يقبلُ صورة العجين إلا بعد قَبوله صورة الدقيق، والدقيق لا يقبَلُ صورة الخبز إلا بعد قَبوله صورة العجين، وعلى هذا المثال يكون قَبول الهيولى للصوَر واحدةً بعد أُخرى.
ثم اعلم أن الأجسام كلّها جنسٌ واحد من جوهرٍ واحدٍ وهيولى واحدةٍ، وإنما اختلافها بحسب اختلاف صورِها، ومن أجلها صار بعضُها أصفى من بعض وأشرف، وذلك أن عالم الأفلاك أصفى وأشرف من عالم الأركان، وعالَمَ الأركان بَعضها أشرف من بعضٍ، وذلك أن النار أصفى من الهواء وأشرف منه، والهواء أصفى من الماء وألطفُ منه، والماءَ أصفى من التراب وأشرفُ منه، وكلّها أجسامٌ طبيعية يستحيل بعضها إلى بعض؛ وذلك أن النار إذا أُطفئِت صارت هواء، والهواءَ إذا غَلظ صار ماء، والماءَ إذا غَلظ وجَمُدَ صار أرضاً، وليس للنار أن تَلطُف، أوللأرض أن تغلظَ فتصير شيئاً آخر، بل إذا تكوّنت أجزاؤها يكون منها المولِّدات، أعني المعادِنَ والنباتَ الحيوانَ، لكن يكون بعضها أشرَف تركيباً من بعضٍ، وذلك أن الياقوت أصفى من البِلَّور وأشرفُ منه، وأن البِلّور أصفى من الزُّجاج وأشرف منه، والزُّجاج أصفى من الخزف وأشرف منه، وكذلك الذَّهبُ أشرفُ من الفضة وأصفى منها، والفضةُ أصفى من النُّحَاس وأشرف منه، والنحاسُ أصفى من الحديد وأشرف منه، والحديد أشرف من الأُسرُبِ، وكلها أحجارٌ معدنية أصلُها كلها الزِّئبَقُ والكِبريت؛ والزِّئبَقُ والكِبريت أصلُهما التُّراب والماء والهواء والنار، فهَيولاها واحد، وصورها مختلفة، وصفاؤها وشرَفها بحسب تركيبها واختلاف صورِها، وكذلك حُكم الحيوان والنبات، فإنها بالهيولى واحدٌ، وإن اختلافها وشرف بعضِها على بعض بحسبِ اختلاف صُورِها.

krimbow
10/06/2006, 00:53
فصل في الأجسام الجزئية

اعلم أن الأجسام الجزئية منها ما يَقبل صورةَ الكُلّي إذا صوِّرَ فيه، فيَصيرُ بقَبوله تلك الصورة أفضل وأشرف من سائر الأجسام الجُزئية السَّاذجة، والمثالُ في ذلك قِطعةٌ من النُّحاس إذا صُوِّر فيها الفلك، مثلُ الأصطَرلابِ وذاتِ الحلَق والكُرَةِ المصوَّرة، فإنها عند ذلك تكون أشرف وأفضل وأحسن من أن تكون ساذجةً، وكذلك كلُّ جسم قَبِلَ صورةً ما، فإنه عند ذلك يكون أفضلَ وأشرف وأحسن من كونِه ساذجاً، فهكذا الحُكمُ في جواهر النفوس، وذلك أنها كلَّها جنسٌ واحد وجوهرٌ واحد، وأن اختلافها بحسَبِ معارفها وأخلاقها وآرائها وأعمالها، لأن هذه الحالات هي صوَرٌ في جواهرها وهي كالهيولى، وكذلك النفسُ الجُزئيّة إذا قَبِلت عِلماً من العلوم تكون أفضلَ وأشرف من سائر النفوس التي هي أبناء جنسها.
ثم اعلم أن العلوم في النفس ليست بشيء سوى صور المعلومات انتزعتها النفس وصوَّرتها في فكرها، فيكون عند ذلك جوهرُ النفس لصوَر تلك المعلومات كالهيولى، وهي فيها كالصورة.
واعلم أن من الأنفس الجزئية ما يتصوّر بصورة النفس الكُليّة، ومنها ما يقاربها وذلك بحسب قَبولها ما يَفيض عليها من العلوم والمعارف الأخلاق الجميلة، وكلما كانت أكثر قبولاً كانت أفضل وأشرف من سائر أبناء جنسها، مثلَ نفوس الأنبياء، عليهم السلام، فإنها لما قَبِلت بصفاء جوهرها الفيضَ من النفس الكلّية أَتت بالكتب الإلهية التي فيها عجائب العلوم الخفيّة، والمعاني اللطيفة، والأسرار المكنونة التي لا يَمَسُّها إلاَّ المُطَّهرون من أدناس الطبيعة، وما وضَعَت من الشرائع العلمية النافعة للكلّ، والسُّنن العادلة الزكيّة، فاستنقذوا بها نفوساً كثيرةً غريقةً في بحر الهيولى، وأسرِ الطبيعة؛ ومثلَ نفوس المُحقِّقين من الحكماء التي استنبطت علوماً كثيرة حقيقية، واستخرجت صنائعَ بديعةً، وبنًتْ هياكلً حكيمةً، ونَصَبتْ طِلّسماتٍ عجيبةً؛ ومثل نفوس الكهنة والمُخبِّرة بالكائنات قبل كونها بدلائلَ فلكيةٍ وعلاماتٍ زَجْرية، وإلى مثل هذه النفوس أشاروا بقولهم: الفلسفةُ هي التشبيه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية، وإليها أشاروا بقولهم: من خاصيّةِ العقل المنفعل أن يقبل الجزءُ منه صورة الكُلّ؛ وإليها أشار القائل بقوله: كلُّ الهياكل صورةٌ مذمومةٌ،إلاّ التي في صورة الأفلاكِوأتمُّها بين الـذواتِ لأنـهـاقَبِلتْ تماماً صورة الإدراككم بين نفسٍ شامخٍ في ذِروةٍ،أوما يكونُ حِجارة الحَكّـاكِوإليها أشار القائل بقوله: وما كان إلاّ كوكباً كان بـينـنـافودَّعنا، جادتْ معاهِـدَه رُهْـموأصبحَ روحاً لم يُقيِّدْه مَـنـزِلٌ،وأضحى بسيطاً ليس يُدرِكه وَهم رأَى المَسكَن العُلْويَّ أَولى بمثلِه،ففاز، وأَضحى بين أَشكاله نَجْمُواعلم يا أخي أن فضائل النفس الكلية فائضةً على الأنفس الجزئية دُفعةً واحدة،مبذولة لها دائمَ الأوقات؛ لكنّ لأنفسّ الجزئية لا تُطيق قبولها إلاّ شيئاً بعد شيء في مَمرِّ الزمان، والمثالُ في ذلك فيضُ الأنفس الجزئية بعضِها على بعض، وذلك أن الأب الشفيقَ والمعلِّم الحريص على تعليم تلميذه، يوَدُّ أن يَعلَمَ كلَّ ما يُحسنه، ويُعلِّمهُ لتلميذه دُفعة واحدة، ولكنّ نفس المتعلم لا تقبل إلاّ شيئاً بعد الشيء على التدريج.
ثم إن المانع للأنفس الجزئية قبول فيض النفس الكلية دفعةً واحدة هولأجل استغراقها في بحر الهيولى وتراكم ظُلُمات الأجسام على بصرها، لشدة ميلها إلى الشهوات الجسمانية، وغرُرها باللذات الجِرْمانية، فمتى انتَبهت من نوم الغفلة واستيقظت من رِقدة الجهالة، وصحَتْ من سَكرة عَمايتها، وأفاقت من غَمرة غَشْيتِها، وأخذت ترتقي في العلوم والمعارف، ودامت على تلك الحال، لحقَت بالنفس الكلية، وشاهدت تلك الأنوار العقلية والأضواء البهيّة، ونالت تلك الملاذَّ الروحانية والسُّروراتِ الدَّيموميّةَ الأبديّةَ، التي كلُّها أشرف وأعلى منزلةً مما كان، فوق ما تقدَّم قبله، ودون ما يأتي بعده. ومتى هي أعرضت عمّا وصفنا، وأقبلتْ على طلب الشهوات الجسمانيَّة والزينة الطبيعيّة، بَعُدت من هناك وانحطّتْ إلى أسفل السافلين، وغرِقت في بحر الهيولى، وغشيتْها أمواجُها، وتراكمت على بصرها ظلُماتها، وإلى هاتين الحالتين أشار، عزَّ اسمه، بقوله تعالى: "الله نورُ السموات والأرض، مثلُ نوره كمشكاةٍ فيها مصباحٌ، المصباحُ في زجاجةٍ، الزجاجةُ كأنها كوكبٌ دُرّيٌّ" الآية. ثم قال تعالى: "أوكظُلُمات في بحرٍ لُجّيّ يَغشاه موجٌ من فوقه موج، من فوقِه سَحابٌ، ظلمات بعضها فوق بعض" الآية.

krimbow
10/06/2006, 00:54
فصل في أقاويل الحكماء في ماهيّة المكان

أما المكان عند الجُمهور فهوالوعاء الذي يكون فيه المتمكِّن، فيقال: إن الماء مكانه الكوزُ الذي هوفيه، وإن الخلَّ مكانه الزِّقُّ الذي هوفيه، وعلى هذا القياس مكانُ كلِّ شيء هوالوِعاء الذي هوفيه، وكما يقال إن مكان السمك هوالماء، ومكان الطير هوالهواء؛ وبالجملة مكان كل متمكِّن هوالجسمُ المحيطُ به. وقيل أيضاً إن المكان هوسطحُ الجسم الحاوي الذي يلي المَحويَّ، وقيل لا بل المكان هوسطحُ الجسم المَحوِيِّ الذي يلي الحاوي، وعلى كِلا الرأْيين والقولين يجب أن يكون المكان جوهراً. وقيل إن المكان هوالفصلُ المشتركُ بين سطح الجسم الحاوي وسطح المَحْوِيّ، وعلى هذا الرأْي يجب أن يكون المكان عَرَضاً. وقيل أيضاً إن المكان هوالفضاء الذي يكون فيه الجسم ذاهباً طولاً وعرضاً وعمقاً، وإن كان كلُّ جسم مثله سَواء، فإن كان الجسم مدوَّر الشكل أومربّعاً أومثلثَّاً رأوغيرهما من الأشكال، فأن مكانه مِثله سَواء لا أصغرُ ولا أكبرُ، حتى قيل في المثَل إن المكان مكيال الجسم، وعلى هذا الرأي يجب أن يكون المكان جوهراً.
واعلم أن الذين قالوا إن المكان هوالفضاء، إنما نظروا إلى صورة الجسم، ثم انتزعوها من الهيولى بالقوة الفكرية، وصوَّروها في نفوسهم، وسمّوها الفضاء، وإذا نظروا إليها وهي في الهيولى سمَّوها المكان، وهذا يدلّ على قلّة معرفتهم أيضاً بجوهر النفس وكيفيّة معارفها ومعانيها.
واعلم أن من شرف جوهر النفس، وعجائب قُواها، وظرائف معارفها، أنها تنتزع صورة المحسوسات من هيولاها، وتصوّرها في ذاتها، وتنظر إليها خِلواً من الهيولى، وتفرُق بين الهيولى والصورة. وانظر إلى كل واحد منهما تارةً مفردة، وتارةً مركبَّة. وإن من شدة قوّتها الوهميَّة أنها تارة تنظر إلى العالم وكأنها خارجة منه، وتارة تنظر إليه وكأنها داخلة فيه، وربما ترفعُ العالَمَ من الوجود أصلاً، وربما تقدّمت الزمانَ الماضي ونظرت إلى بدء كون العالَمِ،وبحثتْ عن علَّة كونه بعد أن لم يكن شيئاً. وربما سبقت الزمانَ المستقبل، ونظرت إلى فناء العالم قبلَ حِينه، وتصوَّرْ كيف يكون ذلك. وإن من شدَّة قوتها أيضاً إنها تضاعف العدد إلى ما لا نهاية له، وتُجري المقادير إلى ما لا نهاية لها، وتتوهّم أيضاً أن خارج العالم فضاءٌ إلى ما لا نهاية له، وما يشاكل هذا من أفعالها العجيبة، وما يتصوّر بقوَّتها الوهمية، فمن ظن أن الفضاء هوجوهر قائم بنفسه، وأن خارج العالم فضاءٌ لا نهاية له، وأن المدَّة جوهر أسبق من نشوء العالم، وأن الجزء من الهيولى يتجزّأ أبداً، وما شاكل هذه المسائل، فكلُّ هذه الأقاويل قالوها لقلّة مَعرِفتهم بجوهر النفس وعجائب قُواها وكيفيَّة تصرُّفِها في المعارف والعلوم.

krimbow
10/06/2006, 00:55
فصل في أقاويل الحكماء في ماهيّة الحركة

الحركة يقال على ستة أوجُهٍ: الكون والفساد والزيادة والنقصان والتغيّر والنُّقلة. فالكون هوخروج الشيء من العدم إلى الوجود، أومن القوَّة إلى الفعل، والفساد عكس ذلك. والزيادة هي تباعُد نهايات الجسم عن مركزه، والنُّقصان عكس ذلك. والتغيّر هوتبدُّل الصفات على الموصوف من الألوان والطعوم والروائح وغيرها من الصفات. وأما الحركة التي تسمَّى النُّقْلة فهي عند جمهور الناس الخروج من مكان إلى آخر، وقد يُقال إن النُّقلة هي الكونُ في محاذاة ناحيةٍ أُخرى في زمان ثان، وكلا القولين يصحّ في الحركة التي هي على سبيل الاستقامة؛ فأما التي على الاستدارة فلا يصحّ، لأن المتحرّك على الاستدارة ينتقل من مكان إلى مكان، ولا يصيرُ في محاذاةٍ أُخرى في زمان ثان، فإن قيل إن المتحرِّك على الاستدارة أجزاؤها كلُّها تتبدل أماكِنُها وتصيرُ في محاذاةٍ أُخرى في زمانٍ ثان إلاّ الجُزء الذي هوساكنٌ في المركز فإنه ساكن فيه لا يتحرك. فليًعلمْ من يقول هذا القول ويظن هذا الظن أويُقدِّر أن هذا الرأي صحيح، أن المركز إنما هونُقطة متوهَّمة وهي رأس الخط، ورأس الخط لا يكون مكان الجُزء من الجسم. وليعلمْ أيضاً أن المتحرِّك على الاستدارة بجميع أجزائه متحرِّكٌ، وهولا ينتقل من مكان إلى مكان، ولا يصير مُحاذياً بشيءٍ آخر في زمان ثان. فأما الحركة على الاستقامة فلا يمكن الا بالانتقال من مكان إلى مكان والمرور بمُحاذيات في زمان ثان، فإذا قيل إنه يمكن ذلك فإن الإنسان مثلاً قد يُحرّك يده أوبعض أجزائه، وهولا ينتقل من مكان إلى مكان، فماذا ترى كيف يكون حال اليد، هل يجوز أن تتحرَّك ولا تخرج من مكان إلى مكان، وكذلك حُكم الأُصبُع هل يجوز أن يتحرَّك ولا ينتقل من مكان إلى مكان، ولا يمر بمُحاذاة أُخرى في زمان ثان؟ واعلم أنه متى تحركت الأجزاء من جسم فقد تحرَّكت تلك الجملة، ومتى تحرَّكت تلك الجملة فقد تحرَّكت تلك الأجزاء، لأن تلك الأجزاء ليست غيرَ تلك الجملة. وذلك أنه إذا تحرَّك الإنسان فقد تحرَّكت أعضائه؛ وإذا تحرَّكت أعضاؤه فقد تحرَّك هو؛ وإن تحرَّكت يدُه وحدَها فقد تحرَّكت أجزاء اليد كلُّها، أن اليد ليست شيئاً غير تلك الأجزاء، وكذلك إن تحرَّك أُصبُع واحد فقد تحرَّكت أجزاء الأصبع كلُّها، لأن الأُصبع ليست غيرَ تلك الأجزاء، فمن ظنَّ أنه يجوز أن تتحرَّك الأجزاء ولا تتحرَّك الجُملة، أوتتحرَّك الجُملة ولا تتحرَّك بعضُ الأجزاء فقد أخطأ.
واعلم أنه قد ظنَّ كثير من أهل العلم أن المتحرِّك على الاستقامة يتحرَّك حركات كثيرةً، لأنه في حركته بمُحاذَياتٍ كثيرةٍ في حال حركته، ولا ينبغي أن تُعتبر كثرةُ الحركات لكثرة المحاذَيات، فأن السهم في مرورها إلى أن يقع حركةً واحدةً يمرُّ بمُحاذَياتٍ كثيرة، وكذلك المتحرِّك على الاستدلرة فحركتُه واحدةٌ إلى أن يقف وإن كان يدور أدواراً كثيرة.
ثم اعلم أنه لا تنفصلُ حركةٌ عن حركةٍ إلاّ بسكونٍ بينهما، وهذا يعرفه ولا يشُكّ فيه أهلُ صِناعة الموسيقى، وذلك أن صِناعتهم معرفةُ تأليف النَّغَم، والنَّغَمُ لا يكون إلاّ بالأصوات، والأصواتُ لا تحدُث إلا من تَصادم الأجسام؛ وتصادُم الأجسام لا يكون إلا بالحركات، والحركات لا تنفصل بعضُها عن بعضٍ إلا بسكوناتٍ تكون بينها، فمن أجل هذا قال الذين نظروا في تأليف النَّغم إن بين زمان كلّ نقرتَين زمانَ سكونٍ، وقد بيَّنا طرفاً من هذا العلم في رسالتنا في تأليف اللُّحون: ما هي، وكم هي، وكيف هي، فاعرِفْها من هناك.
واعلم أنه ينبغي لمن ينظر في حقائق الأشياء، ويبحث عن ماهيّاتها، أن يبتدئ أولاً وينظرَ ويبحث هل الشيء جوهرٌ، أوعَرَضٌ، أوهَيولى، أوصورةٌ جسمانية، أوروحانية، فأن كان جوهراً فأي جوهرٍ هو؟ وإن كان عرضاً، فأيُّ عَرضٍ هو؟ وإن كان هَيولى، فأي هَيولى هو؟ وإن كان صورةً، فأي صورةٍ هي وكيف هي؟ واعلم أن الحركة في بعض الأجسام جوهرية كحركة النار، فإنها متى سكنت حركتُها طَفِئتْ وبطَلت وبطَل وجودها؛ وفي بعض الأجسام عرضيةٌ لها حركة كحركة الماء والهواء والأرض، لأنها ان سكنت حركتها لا يبطُل وِجدانُها.
واعلم أن الحركة هي صورةٌ جعلتها النفسُ في الجسم بعد الشكل، وأن السكون هوعَدمُ تلك الصورة؛ والسكون بالجسم أَولى من الحركة، لأن الجسم ذوجهاتٍ لا يمكنه أن يتحرك إلى جميع جهاته دفعةً واحدةً، وليست حركتُه إلى جهة أولى به من جهة، فالسكونُ به إذاً أولى من الحركة.
واعلم أن الحركة، وإن كانت صورةً، فهي صورةٌ روحانية مُتمِّمة تسري في جميع أجزاء الجسم، وتنسلُّ عنه بلا زمان كما يسري الضوء في جميع أجزاء الجسم الشفَّاف وينسلُّ عنه بلا زمان، فإنك ترى السراج إذا دخل البيتَ أضاءَ البيتُ من أوله إلى آخره دفعةً واحدةً، وإذا خرج أظلمَ الهواء في البيت دفعةً واحدةً بلا زمان؛ وكذلك الشمسُ إذا طلَعت بالمشرق أضاء الهواءُ من المشرق إلى المغرب دفعةً واحدة، فإذا غابت بالمغرب أظلم الهواءُ دفعةً واحدة، فالحرارةُ إذا بدت تدبُّ، أولاً فأولاً يحمى الجوبزمان، وكذلك إذا طلعت الشمسُ، يحمى الجوأولاً فأولاً بزمان، وكذلك إذا غابت الشمس بَرَد الهواءُ أولاً فأولاً بزمان.
واعلم أن الحركة حُكمُها كحكم الضوء، وذلك لوأن خشبةً طولها من المشرق إلى المغرب نُصِبت ثم جُذبت إلى المشرق أوإلى المغرب عقداً واحداً، لتحركت جميعُ أجزائها دُفعةً واحدة.
واعلم أن بعض أفعال النفس في الجسم بزمانٍ، وبعضَ أفعالها بلا زمان، دلالةٌ على أن جوهرها فوق الزمان، لأن الزمان مقرونٌ بحركة الجسم، والجسم مفعول النفس، وأن النفس لما جعلت الجسمَ الكلِّيّ كُرِيَّ الشكل الذي هوأفضلُ الأشكال، جعلتْ حركته أيضاً الحركة المستديرة التي هي أفضلُ الحركات.

krimbow
10/06/2006, 00:56
فصل في ماهية الزمان من أقاويل العلماء.

أما الزمان عند جمهور الناس فهومرور السنين والشهور والأيام والساعات، وقد قيل إن عدد حركات الفلك بالتكرُّر، وقد قيل إنه مدّة يعدُّها حركات الفلك، وقد يظُنّ كثير من الناس أن الزمان ليس بموجودٍ أصلاً إذا اعتُبرَ بهذا الوجه، وذلك أن أطول أجزاء الزمان السِّنون، والسِّنون منها ما قد مضى ومنها ما لم يجئ بعدُ، وليس الموجود منها إلاّ شهراً واحداً، وهذا الشهر منه أيامٌ لم تجئ بَعدُ، وليس الموجود منها إلا يوماً واحداً، وهذا اليوم ساعات منها ما قد مضت ومنها ما لم تجئ بعدُ، وليس الموجود منها إلا ساعةً واحدةً، وهذه الساعة أجزاءٌ منها ما قد مضى وآخَرُ ما جاء بعد، فبهذا الاعتبار ليس للزمان وجودٌ أصلاً.
فأما الوجه الآخر إذا اعتُبرَ فالزمانُ موجودٌ أبداً، وذلك أن الزمان كلِّه يومٌ وليلة، أربع وعشرون ساعة، وهي موجودة في أربع وعشرين بقعة من استدارة الأرض تكون حولها دائماً. بيان ذلك أنه إذا كان نصفُ النهار في يوم الأحد مثلاً في البلد الذي طوله تسعين درجة، فإن الساعة الأولى من هذا اليوم موجودةٌ في البلدان التي طولها من درجة إلى خمسَ عشرة درجة، والساعة الثانية موجودة في البلدان التي طولها من ستّ عشرة درجةً إلى ثلاثين درجة، والساعة الثالثة موجودةٌ في البلد الذي طوله من إحدى وثلاثين درجة إلى خمسٍ وأربعين درجة، والساعة الرابعة في البلدان التي طولها من ستّ وأربعين درجة إلى ستين درجة، والساعة الخامسة موجودة في البلدان التي طولها من إحدى وستين درجة إلى خمس وسبعين درجةً، والساعة السادسة موجودة في البلدان التي طولها من ستٍّ وسبعين درجة إلى سبعين درجة، والساعة السابعة موجودة في البلدان التي طولها من إحدى وتسعين درجةً إلى مئةٍ وخمس درجات، والساعة الثامنة موجودة في البلدان التي طولها مائة وست درجات إلى تمام مائةٍ وعشرين درجة، والساعة التاسعة موجودة في البلدان التي طولها مائةٌ وخمس وثلاثون درجة، والساعة العاشرة موجودة في البلدان التي طولها إلى تمام مائةٍ وخمسٍ وستين درجة، والساعة الثانية عشرة موجودة في البلدان التي طولها إلى تمام مائة وثمانين درجة.
وفي مُقابلةِ كلّ بقعة من هذه البقاع من استدارة الأرض ساعات الليل موجودة كل واحدة كنظيرتها، ولكل موضع من الأرض أقدارٌ مختلفة من الليل والنهار، والشمس تضيء في نصف الأرض أبداً حيث كانت، ويسترُ قُطر الأرض عن نصفها الآخر الذي كان أشرق على نصفها الذي يلي الشمس، فيكون ما طلعت عليه الشمس، نهاراً، وما سترتْ بقُطرِها عن نصفها من ضوء الشمس، ليلاً. وكلما دار النهار دار الليل معه، كلُّ واحدٍ منهما ضدُّ صاحبه، وكلما زال أحدهما زال الآخر ومعه، فالليل والنهار يبتديان الإقبال من مشرق الأرض، ثم يسيران على مسيرة الشمس فيسبق طلوع الشمس على أول الأرض طلوعها على آخرها باثنتي عشرة ساعة، وكذلك الليل. فإن شكَكتَ فيما قلنا، فاسأل أهل الصِّناعة الناظرين في علم المَجِسطي يُخبروك بصِحة ما قلناه، فإنه قد قيل: استَعينوا على كلِّ صناعة بأهلها.
ثم اعلم أن من كُرور الليل والنهار حولَ الأرض دائماً يحصُلُ في نفس من يتأمَّلُها صورةُ الزمان كلُّها، يحصُلُ فيها صورةُ العدد من تكرار الواحد: وذلك أن العدد كلَّه أفرادَه وأزواجه، صحيحَه وكسُرَه، آحادَه وعشراته ومئاته وألوفه، ليست بشيءٍ غيرَ جُملة الآحاد تحصل في نفس من يتأمّلها كما بيّنا في رسالة العدد، وهكذا الزمانُ ليس هوبشيءٍ سوى جُملة السنين والشهور والأيام والساعات، تحصُل صورتها في نفس من يتأمّل تكرار كُرور الليل والنهار حولَ الأرض دائماً، فهذه الخمسةُ الأشياء التي أتينا على شرحها، وهي الهيولى والصورة والمكان والزمان والحركة، محتوية على كل جسم، فمن لم يكن مُرتاضاً بالنظر في هذه الأشياء، فلا يسَعهُ النظر في أمور الطبيعة، لأنه لا يمكن له أن يَعرِفها كنهَ معرفتها البتَّة، ولولم يكن مُرتاضاً في الأمور الطبيعية، فلا يسَعُه الكلام في الأمور الإلهية، لأنه لا يمكنه أن يَعرِفها كنهُ معرفتها.
فتفكَّرْ فيما ذكرنا يا أخي في هذه الرسالة من أقاويل العلماء لتفهم ما قالوه، وتصوَّرْ ما وضعوه من معاني هذه الأشياء، فإن كان عندك زيادةٌ عليها أفَدناها، وإن أنكرت شيئاً مما قالوه فبَيِّنْه لنا، وإن اشتبه عليك شيء مما حكيناه، فلا تتَّهمنا بأنَّا قصَّرنا في البيان أوقُلنا ما ليس بالحق.
ثم اعلم أن لكلّ صِناعة أهلاً، ولكل أهلِ علمٍ وصناعةٍ أصولاً، هم فيها متّفقون، وفي فروعها يتكلمون، وعلى تلك الأصول يقيسون فيما يختلفون.
واعلم بأن النظر في الأمور الطبيعيةجزءٌ من صِناعة إخواننا الكرام، أيدهم الله تعالى، والأمور الطبيعيةُ هي الأجسام وما يَعرِض لها من الأعراض اللازمة والمُزايِلة، وقد عَمِلنا في هذه العلوم سبعَ رسائلَ أولاها هذه الرسالةُ التي ذكرنا فيها الهيولى والصورة والحركة والمكان والزمان، إذ كانت هذه الأشياء الخمسة مُحتويةً على كل جسم، وقد ذكرنا في رسالةِ الحاسّ والمحسوس الأشياء العارضة للأجسام بقولٍ وجيزٍ، ثم يتلوهذه الرسالةُ التي ذكرنا فيها السماء والعالَمَ ووصفنا فيها تركيب الأفلاك وكميّتها وسعة أقطارها، وسُرعة دورانها، وعِظَم الكواكب، وفنون حركاتها، وأوصاف البروج وتخصيصَها، ثم يتلوها الرسالةُ التي ذكرنا فيها الكون والفساد وماهيَّة الأركان الأربعة التي تحت فلك القمر، وهي النار والهواء والماء والأرض، وصفنا فيها كيفيّة استحالة بعضها إلى بعضٍ، وحدوث الكائنات منها؛ ثم يتلوها الرسالةُ الرابعة التي فيها حوادث الجووالتغييرات التي تحدث في الهواء، ثم يتلوها الرسالة الخامسة التي ذكرنا فيها جواهر المعادن، ووصفنا كيفيَّة تكوُّنها في باطن الأرض وجوفِ الجبال وقعرِ البحار، ثم يتلوها الرسالة السادسة التي ذكرنا فيها أمر النبات، ووصفنا أجناسه وأنواعه وخواصَّه ومنافعه ومضارّه، ثم يتلوها الرسالة السابعةالتي ذكرنا فيها أجناس الحيوانات وأنواعها واختلاف طِباعها بقولٍ وجيز.
وقد عملنا خمس رسائل أُخَر قبل هذه الرسالة في الرياضيات، أُولاها رسالة العدد وخواصِّه وكيفيَّة نشوئه من الواحد الذي قبل الاثنين؛ ثم يتلوها الرسالة الثانية التي ذكرنا فيها أُصول الهندسة وأنواع المقادير وكيفية نشوئها من النُّقطة التي هي في صناعة الهندسة كالواحد في العدد؛ ثم يتلوها الرسالة الثالثة التي ذكرنا فيها النجوم ووصفنا الأفلاك والكواكب، وبيّنا أن نِسبَتها إلى الشمس كنسبة العدد من الواحد، ومنشأ مقادير الهندسة من النقطة؛ ثم يتلوها الرسالة التي ذكرنا فيها النسبة العددية والهندسية والتأليفيّة، وأن منشأها كلِّها من نسبة المساواة كمنشأ العدد من الواحد، وكمنشأ مقادير الهندسة من النقطة؛ ثم يتلوها الرسالة التي ذكرنا فيها المنطق ووصفنا فيها المَقًولات العشرة التي كلُّ واحدٍ منها جنسُ الأجناس، وبيّنا كمية أنواعها وخواصِّها، وأن الواحد منها هوالجوهر، والتسعةَ الباقيةَ هي الأعراضُ، وتعلّقها في وجودها بالجوهر كتعلق العدد بالواحد الذي قبل الاثنين. وقد تكلم في هذه الأشياء من قبلنا من الحكماء الأولين ودوّنوها في الكتب وهي موجودة في أيدي الناس، ولكن من أجل أنهم طوَّلوا فيها الخُطَب، ونقلوها من لغة إلى لغة، أَغلَقَ على الناظرين في تلك الكتب فَهمُ معانيها، وضاعت في الباحثين معرفةُ حقائقها؛ من أجل هذا عمِلنا هذه الرسائل، وأوجزنا القول فيها شِبهَ المَدخل والمقدَّمات، لكيما يقرُبَ على المتعلمين فَهمُها، ويسهُلَ على المبتدئين النظرُ فيها.

krimbow
10/06/2006, 00:57
فصل واعلم إن كنت محبّاً لأهل العلم

والحكمة

أنك تحتاج أن تسلُكَ طريق أهلها، وهوأن تقتصر من أمور الدنيا على ما لا بدَّ منه، وتترُك الفُضول، وتجعل أكثر هِمَّتكَ وعنايتِك في طلب العلوم، ولقاء أهلها، ومجالستهم بالمذاكرة والبحث، وأن تروضَ نفسَكَ بالسيرة العادلة التي وُصِفت في كتب الأنبياء، عليهم السلام، وبالنظر في هذه العلوم التي تقدَّم ذكرها، وهي التي كانوا يُرُوضُون أولاد الحكماء بها، ويُخرِّجون بها تلاميذتهم، ليقوى فهمُهم على النظر في الأُمور الإلهية التي هي الغرضُ الأقصى في المعارف.
ثم اعلم أن الأمور الإلهية هي الصُّوَرُ المجرَّدة من الهيولى، وهي جواهر باقيةً خالدة لايعرِض لها الفسادُ والآفات، كما يَعرِض للأمور الجسمانية، واعلم أن نفسك هي إحدى تلك الصُّوَر، فاجتهد في معرفتها لعلك تُخلِّصُها من بحر الهيولى وهاوية الأجسام وأَسر الطبيعة التي وقعنا فيها بجنايةٍ كانت من أبينا آدم، عليه السلام، حين عصى ربّه فأُخرج هووذريَّتُهم من الجنة التي هي عالمُ الأرواح، وقيل لهم: "اهبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ، ولكم في الأرض مُستقرٌّ ومَتاعٌ إلى حين. فيها تموتون ومنها تُخرجون". فقد قيل في المثَل إن أولَ أُناسٍ، إذا نُفِخَ في الصُّور وشُقَّ عليهم القبور يومَ البَعث والنُّشور، وقيل: "انطلِقوا إلى ظِلٍّ ذي ثلاث شُعَبٍ"، هوعالم الأجسام ذوالطول والعَرض والعُمق. فاجتهدْ يا أخي في معرفة هذه المرامي والرُّموز التي ظهرت في كتب الأنبياء، عليهم السلام، لعل نفسك تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، وتحيا بروح المعارف الربَّانية، وتعيش بحياة العلوم الإلهية، وتسلمُ من الآفات الطبيعية.
واعلم أن النفس بمُجرَّدها لا تلحقها الآلام والأمراض والأسقام والجوع والعطش والحر والبرد والغموم والهموم والأحزان ونوائب الحِدثان، لأن هذه كلَّها تَعرِض لها من أجل مُقارنتها للجسد، لأن الجسد جسمٌ قابلٌ للآفات والفساد والاستِحالةِ والتغيّر، فأما النفسُ فإنها جوهرةٌ روحانية، فليس لها من هذه الآفات شيء.
واعلم أنه قد ذهب على أكثر أهل العلم معرفةُ أنفسهم، لتركهم النَّظَر في علم النفس، والبحثَ عن معرفة جواهرها، والسؤالَ من العلماء العارفين بعلمها؛ ولقلة اهتمامهم بأمر أنفسهم وطلبِ خلاصها من بحر الهيولى وهاوية الأجسام، والنجاة من أسر الطبيعة، والخروج من ظلمة الأجسام، لشدة ميلهم في الخلود إلى الدنيا، واستغراقهم في الشهوات الجسمانية، والغرور باللذات الحيوانية، والأُنس بالمحسوسات الطبيعية؛ ولغفلتهم عمّا وُصِف في الكتب الإلهية والنواميس الشرعيّة النبويّة من نعيم الجِنان، وما في عالَم الأرواح من الرَّوْح والريحان والنعيم والسرور واللذة والكرامة وبقاء الأبد التي وُعِد المتَّقون: "فيها أنهارٌ من ماءٍ غير آسِنٍ، وأنهارٌ من لَبَنٍ لم يتغيَّر طَعمُه، وأنهار من خمرة لذَّةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسل مُصفى، ولهم فيها من كل الثمراتِ، والنخيل والأعنابِ، تتَّخذون منه سَكَرا ورِزقاً حسناً، إن في ذلك لآياتٍ لقوم يؤمنون".
وإنما قِلَّةُ رغبتهم فيها لقِلَّة تصديقهم بما أخبرت به الأنبياء، عليهم السلام، وما أشارت إليه الفلاسفة والحكماء مما يَقصُر الوصفُ عنه من لطيف المعاني ودقائق الأسرار، فانصرفت هِمَمُ نفوسهم كلُّها إلى أمر هذا الجسد المستحيل، وجعلوا سعيهم كلّه لصلاح معيشة الدنيا من جمع الأموال والمآكل والمشارب والملابس والمَناكِح والمَراكِب، وصيَّروا نفوسهم عبيداً لأجسادهم، وأجسادهم مالكةً لنفوسهم، وسلَّطوا الناسُوت على اللاهوت، والظُّلمةَ والشياطين على النور والملائكة، وصاروا من حِزبِ إبليس وأعداءِ الرحمن.
فهل لك يا أخي بأن تنظرَ لنفسك، وتسعى في صلاحها، وتطلبَ نجاتها، وتفُكَّ أسرها، وتخلِّصَها من الغرق في بحر الهيولى وأسر الطبيعة وظُلمة الأجسام، وتخفِّف َعنها أوزارها، وهي الأسباب المانعة لها عن الترقّي إلى ملكوت السماء، والدخول في زُمَر الملائكة، والسَّيَحان في فُسحة عالَم الأفلاك، والارتفاع في درجات الجِنان، والتَّشمُّم من ذلك الرَّوح والرَّيحان المذكور في القرآن، وأن ترغب في صُحبة أصدقاء لك نُصَحاء، وإخوانٍ لك فضلاء، وادّينَ لك كُرماء، حريصين معاونين لك على صلاحك ونجاتك مع أنفُسهم، قد خلعوا أنفسهم من خدمة أبناء الدنيا، وجعلوا عنايتهم وكدّهم في طلب نعيم الآخرة، بأن تسلكَ مَسلكهم، وتقصِدَ مقصِدَهم، وتُخلِص سِرَّك معهم، وتتخلّق بأخلاقهم، وتسمع أقاويلهم، لتعرف اعتقادهم، وتنظُرَ في علومهم لتفهم أسرارهم وما يخبرونك به من العلوم النفسية، والمعارف الحقيقية، وسِرت بسيرتنا الملكية، وعمِلت بسنَّتِنا الزكية، وتفقَّهت في شريعتنا العقليّة، فلعلَّك تُؤَيَّدُ بروح الحياة، لتنظر إلى الملأ الأعلى، وتعيش عيش السعداء، مخلَّداً مسروراً أبداً، بنفسك الباقية الشريفة الشفَّافة الفاضلة، لا بجسدك المظلم الثقيل المتغيّر المستحيل الفاسد الفاني. وفَّقكَ الله وإيانا وجميع إخواننا للسداد، وهداك وإيانا وجميع إخواننا للرشاد، حيث كانوا في البلاد، إنه رؤوفٌ رحيمٌ بالعِباد.
تمت رسالة الهيولى والصورة وتتلوها رسالة السماء والعالم

krimbow
10/06/2006, 00:58
الرسالة الثانية الموسومة بالسماء والعالم

في إصلاح النفس وتهذيب الأخلاق

وهي الرسالة السادسة عشرة من رسائل إخوان الصفاء بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلامٌ على عِباده الذين اصطفى، آللهُ خيرٌ أمّا يُشركون؟ اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه لما فرغنا من ذكر الجسم المُطلَق، وما يخصّه من الصِّفات المُقوِّمة لذاته من الهيولى والصورة، وما يتبعها من سائر الصفات اللازمة مثل الحركة والسكون وما شاكلهما، أردنا أن نذكر في هذه الرسالة المُلقَّبة بالسماء والعالَم الأجسام الكلّيات البسيطات التي هي الأفلاك والكواكب والأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض، إذ كان الجسم المُطلَق أول ما ينقسم إليها، ثم من بعدها الأجسام الجُزئيات المُولَّدات التي هي الحيوان والمعادن والنبات.
فصل في بيان

معرفة قول الحكماء إن العالم إنسان كبير

اعلم أيها الأخ أن معنى قول الحكماء: العالَم، إنما يَعنون به السموات السبعَ والأرَضينَ، وما بينهما من الخلائق أجمعين، وسمَّوه أيضاً إنساناً كبيراً، لأنهم يرون أنه جسمٌ واحدٌ بجميع أفلاكه وأطباق سمواته وأركان أُمهاته ومولَّداتها، ويَرَون أيضاً أنَّ له نفساً واحدةً ساريةً قواها في جميع أجزاء جسمها كسرَيان نفس الإنسان الواحد في جميع أجزاء جسده، فنريد أن نذكر في هذه الرسالة صورة العالم ونصِف كيفية تركيب جسمه، كما وصِفَ في كتاب التشريح تركيب جسد الإنسان، ثم نصِف في رسالةٍ أُخرى ماهيّة نفس العالم، وكيفيّة سريان قواها في الأجسام التي في العالم من أعلى الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، ثم نبيّن فنون حركاتها وإظهار أفعالها في أجسام العالم بعضها في بعضٍ، فنرجِعُ الآن إلى وَصف جسم العالَم فنقول: الجسم هوأحد الموجودات بطريق الحواس، بتوسُّط أعراضِه، كما بيَّنا في رسالة الحاسّ والمحسوس، والموجودات كلُّها جواهر وأعراضٌ وصورٌ وهيوليّاتٌ مركَّبٌ منها، كما بيّنا في رسالة الهيولى والصورة. والصورة نوعان، مُقوِّمة ومُتمِّمة، كما بيّنا في رسالة العَرض والعُمْق، إذا وُجِدت في الهيولى التي هي جوهر بسيط قابل للصورة. والصورة المُتمِّمة للجسم المُبلغة له إلى أفضل حالاته كثيرةٌ لا يُحصي عددها إلاّ الله، عزَّ وجل، ولكن نذكر منها طرَفاً لتفهم معانيها: فمن الصورة المتمِّمة للجسم الشَّكل؛ والأشكال كثيرةٌ، كالتثليث والتربيع والتخميس والتدوير وما شاكلها. ومن الصورة المتمِّمة أيضاً الحركة؛ والحركات ستة أنواع، أحدُها النُّقلة وهي نوعان: دوريّة ومستقيمة. ومن الصور المتمِّمة أيضاً النور، وهي نوعان: ذاتيٌّ وعَرَضيٌّ. ومن الصور المُتمِّمة للجسم الصفاءُ، وأفضل الأشكال الشكل الكُرِيُّ كما بيّنا في رسالة الهندسة، وأتمُّ الحركات الدوريّة كما بيّنا في رسالة الحركات، وأبهى الأنوار الذاتيّة، وأصفى النُّعوت الشفَّاف، كما بيّنا في رسالة الصفات والموصوفات. فجسم العالم بأسره كُريُّ الشكل، وحركات أفلاكه كلِّها دوريّةٌ، ونور الكواكب السماوية كلِّها ذاتيٌّ إلاّ القمر، وأجرام الكُرة كلِّها شفَّافةٌ إلاّ الأرض، فقد بيّنا ما العِلة في أمر الأرض والقمر في رسالة العِلل والمعلولات.

krimbow
10/06/2006, 00:58
فصل في أن السماوات هي الأفلاك

واعلم يا أخي أن السماوات هي الأفلاك، وإنما سُميّت السماء سماءً لسمُوِّها، والفلك لاستِدارته. واعلم بأن الأفلاك تسعةٌ: سبعةٌ منها هي السماوات السبع، وأدناها وأقربها إلينا فلك القمر، وهي السماء الأولى؛ ثم من ورائه فلك عُطارد وهي السماء الثانية؛ ومن ورائه فلك الزُّهرة وهي السماء الثالثة؛ ثم من ورائه فلك الشمس وهي السماء الرابعة؛ ومن ورائه فلك المِرّيخ وهي السماء الخامسة؛ ومن ورائه فلك المُشتري وهي السماء السادسة؛ ثم من ورائه فلك زُحَلَ وهي السماء السابعة، وزُحَلُ النجمُ الثاقب، وإنما سُمّي الثاقِبَ لأن نوره يَثقُب سَمْكَ سبع سماوات حتى يَبلُغ أبصارنا؛ هكذا روي في الخبر عن عبد الله بن عباس ترجمان القرآن. وأما الفلك الثامن، وهوفلك الكواكب الثابتة الواسع المحيط بهذه الأفلاك السبعة، فهوالكُرسيُّ الذي وَسِع السماوات الأرض. وأما الفلك التاسع، المحيط بهذه الأفلاك الثمانية، فهوالعرش العظيم الذي يحمله فوقَهم يومئذ ثمانيةٌ كما قال الله، عز وجل.
واعلم يا أخي أن كلّ واحدٍ من هذ السبعة المقدَّم ذكرها سماءٌ لما تحتَه وأرضٌ لما فوقَه، ففلكُ القمر سماءُ الأرض التي نحن عليها وأرضٌ لفلك عُطارد، وكذلك فلك عُطارد سماءٌ لفلك القمر وأرض لفلك الزُّهرة، وعلى هذا القياس حُكم سائر الأفلاك، كلُّ واحدٍ منها سماءٌ لما تحته وأرض لما فوقه إلى فلك زُحل الذي هوالسماء السابعة.

krimbow
10/06/2006, 00:58
اعلم يا أخي أن الأرض التي نحن عليها هي كُرةٌ واحدة بجميع ما عليها من الجبال والبحار والبراري والأنهار والعُمران والخراب، وهي واقفةٌ في مركز العالم في وسط الهواء بجميع ما عليها بإذن الله، عز وجل، والهواء محيطٌ بها من جميع جهاته كإحاطة بياض البيضة بمُحِّها؛ وفلك القمر محيطٌ بالهواء من جميع جهاته كإحاطة القشرة ببياض البيضة؛ وفلك عُطارد محيط بفلك القمر على مثل ذلك. ولعلى هذا القياس سائرُ الأفلاك إلى أن تنتهي إلى الفلك المحيط بالكُلّ كما ذكره الله، جل ثناؤه: "وكلٌّ في فلكِ يسبَحون".
وهذا مثال تركيب الأفلاك وصورة سُموك السماوات، ومن فوقها فلك البروج، ومن الفلك المحيط: فقد بان بهذا المثال أن جملة العالم إحدى عشرة كُرةً، اثنتان في جوف فلك القمر، وهما الأرض والهواء، لأن الأرض والماء كُرةٌ واحدة، والهواء والأثير كرةٌ واحدة؛ وتسعٌ من ورائه محيطاتٌ بعضها ببعضٍ.

krimbow
10/06/2006, 00:59
فصل في أنه ليس للعالم فراغ

اعلم يا أخي أن هذه الأُكَر محيطاتٌ بعضها ببعضٍ كإحاطة طبقات البصل، مُماسٌّ سطح الحاوي بسطح المَحوي، وليس بينهما فراغٌ ولا خلاءٌ إلاّ فصلٌ مشترك وهمي. وقد ظنّ قوم من أهل العلم أن بين فضاء الأفلاك وأطباق السماوات وأجزاء الأُمَّهات مواضِع فارغة، وليس الأمر كما ظنوا، لأن معنى الخلاء هوالمكان الفارغ الذي لا مُتمَكِّن فيه، والمكان صفة من صفات الأجسام لا يقوم إلاّ بالجسم ولا يوجد إلاّ معه.
واعلم أن النور والظلمة هما أيضاً صفتان من صفات الأجسام، ولا يمكن أن يُعقل أن موضعاً في العالم لا مُظلماً ولا مُضيئاً البتّة فأين وجود الخلاء إذن؟ واعلم أنه إنما ظن من قال بوجود الخلاء أنه لما رأى بعض الأجسام تنتقل من موضع إلى موضع آخر، توهّم أنه لولا الخلاء لكان الملءُ يمنعه من الحركة والنُّقلة.
واعلم بأنه لوكانت الأجسام كلُّها صلبةً متماسكة الأجزاء كالحجر والحديد، لكان الأمر كما ظنوا، ولكن لما كان بعض الأجسام رخواً لطيفاً سيَّالاً كالماء والهواء لم يمتنع أن تتحرَّك بعض الأجسام بين أجزائه، كما يتحرَّك السمك في الماء، والطير في الهواء، وسائر الحيوانات على وجه الأرض.
فصل في أنه ليس خارج العالم لا خلاء

ولا ملاء

اعلم يا أخي أن هذه الإحدى عشرة كُرة هي جملة العالم ومساكن الخلائق أجمعين، وقد ظن كثير بالأوهام أن وراء الفلك المحيط جسمٌ آخر وخلاءٌ بلا نهاية، وكلا الحُكمين خطأ لا حقيقة له، لأنه قد قام بالبرهان العقلي أن الخلاء غير موجود أصلاً، لا خارج العالم ولا داخله، لأن معنى الخلاء هوالمكان الفارغ الذي لا مُتمَكِّن فيه كما وصفنا، والمكان صفة من صفات الأجسام وهوعَرضٌ ولا يقوم إلاّ بالجسم ولا يوجد إلاّ معه، فنم ادّعى أن خارج العالم جسم آخر من أجل الوهم الذي يتخيّله فهوالمطالَبُ بالدليل على دعواه.
واعلم أن الوهم قوة من قوى النفس وهي تتخيل ما لا حقيقة له وما له حقيقةٌ، فليس ينبغي أن يُحكَم على متخيَّلاتها أنها حق وباطل دون أن تشهد لها إحدى القوى الحسّاسة، ويقوم عليها برهان ضروري أويَقضي لها العقل.
واعلم أن حُكم العقل هوالذي يتساوى فيه العقلاء، وكلّهم لم يتفقوا على أن خارج العالم جسمٌ آخر، لأن الحسّ لم يُدركه، والعقل لم يَقض به، والبرهان لم يقم عليه، فأيّ قضية تحكم أن هناك جسماً آخر غير تخيُّل الأوهام الكاذبة، فإن كان هناك جسم آخر كما ادّعى المدّعي، فلا يمكن أن يكون من ورائه شيء آخر، لآن الجسم ذونهاية، والخلاء ليس بموجود ببراهين قد قامت كما ذكرنا. فأما الدليل على أن كل جسم ذونهاية فقد اتفقت عليه الآراء النبوية والفلسفية جميعاً. وذلك أن من الرأي النبوي أن كل جسم مخلوق، وكلّ مخلوق ذونهاية في أوّليّة العقل، ومن الرأي الفلسفي أن كلّ جسم مركّبٌ من هيولى وصورة، وكلّ مركب ذونهاية في أوّليّة العقل.

krimbow
10/06/2006, 00:59
فصل في أن موضع الشمس وسط العالم.


اعلم أن الشمس لما كانت في الفلك كالمَلِك في الأرض، والكواكب لها كالجنود والأعوان والرعيّة للملك، والأفلاك كالأقاليم، والبروجُ كالبلدان، والدرجات والدقائق كالقُرى، صار مَركزُها بواجب الحكمة الإلهية وسْطَ العالم، كما أن دار الملك وسط المدينة، ومدنية وسط البلدان من مملكته وذلك أن مَركز الشمس وسط فلكها، وفلكها في وسط الأفلاك، لأنه لما كانت جملة العالم إحدى عشرة كُرة، كما بيّنا قبل، وكان خمسٌ منها من وراء فلكها محيطاتٍ بعضها ببعض، وهي كُرة المريخ، وكرة المشتري، وكرة زُحل، وكرة الكواكب الثابتة، وكرة المحيط؛ وخمسٌ دونها، وهي في جوف كرتها محيطاتٌ بعضها ببعض، أوَّلها فلك الزهرة ودونها كرة عُطارد، ودونها كرة القمر، ودونها كرة الهواء، ودونها كرة الأرض، فصار موضِعها في وسط العالم بهذا الإعتبار، كما أن موضع الأرض في مركز العالم.

فصل في ماهيّة البروج

اعلم يا أخي أن البروج هي، اثني عشر، قِسمةٌ وهميّة في سطح فلك المحيط يَفصِلها اثنا عشر خطّاً وهميّاً، وهي تبتدئ من نُقطة وتنتهي إلى نقطة أُخرى في مُقابلتِها، فيُقسم سطح كرةٍ باثنتي عشرة قسمةً، كلُّ واحدة منها كأنها جزء البِطّيخة تسمَّى البرج، والنُّقطتان تسمّيان قُطبي الكرة، وأن الشمس تَرسُم على سطح كرتها بحركتها في كلِّ ثلثمائة وخمسة وستين يوماً دائرةً وهميةً كما سنبين بعد، والدائرة تقسم الكرة بنصفين، وكلُّ برجٍ بقسمين متساويين، حِصّة كل برج من تلك الدائرة قطعة قوسٍ قدرها ثلاثون جزءاً من ثلثمائة وستين، وبهذه الدائرة ودرجتها يُقاس دوران سائر الأفلاك والكواكب، وبحركات الشمس تعتبر سائر حركات الكواكب في الزِّيجات، وبأحوال الشمس تُعتَبر أحوال الكواكب في المواليد.

فصل في أقطار الأفلاك وسموك السماوات.

واعلم يا أخي أن لكل كرة من هذه الأُكر قُطراً وسمكاً، وسمك كلِّ واحدٍ منها أقلُّ من قطرها، إلاّ الأرض فإن سمكها مثل قطرها، لأنها كرة غير مجوَّفة، وأما سائر الأكر فإنها لما كانت مجوَّفة صارت سموكها أقل من أقطارها، فقطر الأرض ألفان ومائة وسبعة وستون فرسخاً، وأعظم دائرةٍ على بسيطها ستة آلاف وثمانمائة فرسخ. وأما سمك كرة الهواء فإنه سبع عشرة مرةً ونصفٌ، مثل قطر الأرض، فيكون ذلك سبعةٌ وثلاثين ألفاً وتسعمائة واثنين وعشرين فرسخاً ونصف فرسخ. وقطر هذه الكرة مثل سمكها مرَّتان، وزيادة قطر الأرض عليه مرةٌ واحدة. وأما سمك كرة القمر فمثل سمك كرة الهواء سواءٌ، وقطره مثل سمكه مرتان، وزيادة قطر الهواء عليها مرةٌ واحدة. وأما سمك كرة عطارد فإنه مثل قطر الأرض مائة مرة، وخُمس قطرها مثل سمكها مرَّتان، وزيادة قطر فلك القمر عليها مرةٌ واحدة. وأما سمك الزُّهرة فمثل قطر الأرض تسعمائة وخمس عشرة مرة، وقطرها مثل سمكها مرّتان، وزيادة قطر فلك عطارد عليه مرة واحدة. وأما سمك كرة الشمس فمئة مرة مثل قطر الأرض، وقطرها مثل سمكها مرّتان، وزيادة قطر فلك الزُّهرة عليه مرةٌ واحدة.
وأما سمك كرة المرِّيخ فمثل قطر الأرض سبعُ آلاف مرةٍ وستمائة وست وخمسون مرة، وقُطرها مثل سمكها مرّتان، وزيادة قطر الشمس عليه مرة واحدة. وأما سمك فلك المشتري فمثل قطر الأرض خمس آلاف مرة وخمس مائة وسبع وعشرون مرة، وقُطرها مثلُ سمكها مرّتان، وزيادة قطر فلك المريخ عليه مرةٌ واحدة. وأما سمك فلك زحل فمثل قطر الأرضسبع آلافٍ وستمئة وخمس مرات، وقطرها مثل سمكها مرّتان، وزيادة قطر فلك المشتري عليه مرة واحدة. وأما سمك كرة فلك الكواكب الثابتة فإنه مثل قطر الأرض اثنتا عشرة ألف مرة بالتقريب، وقطرها مثل سمكها مرّتان، وزيادة قطر زحل عليه مرةٌ واحدة.

krimbow
10/06/2006, 01:00
فصل في كمية عدد الكواكب الثابتة والسيارة

وهي ألف وتسعة وعشرون كوكباً، الذي أُدرك بالرَّصد منها السبعة السيّارة وهي: زُحل والمشتري والمرّيخ والشمس والزُّهرة وعُطارد والقمر، لكل واحد منها فلك يختصّ به، وهي مُحيطاتٌ بعضها ببعض، كما بيّنا من قبل. وأما سائر الكواكب وهي ألف واثنان وعشرون كوكباً، فكلها في فلك واحد، وهو الفلك الثامن المحيط بفلك الكواكب أي زُحل، وسائر الأفلاك هي في جوفه.
فصل في مقادير أقطارها في رأي العين
وقطر جِرْمِ الشمس في رأي العين مساولإحدى وثلاثين دقيقة من درجةٍ، على أن الدرجة ستون دقيقة. وقطر جرم القمر، إذا كان في أبعد أبعاده، مُساولقطر الشمس، وقطر جرم عُطارد، إذا كان في بُعده الأوسط، جزءٌ من خمسةٍ وعشرين جزءاً من قطر الشمس، وقطر جرم الزُّهرة جزء من اثني عشر جزءاً من قطر الشمس. وقطر جرم المرّيخ جزءٌ من عشرين جزءاً من قطر الشمس. وقطر جرم المشتري جزء من اثني عشر جزءاً من قطر الشمس. وقطر جرم زحل جزء من ثمانية وعشرين جزءاً من قطر الشمس.
فصل في نسبة أقطارها من قطر الأرض فقطر جرم عُطارد جزء من ثمانية عشر جزءاً من قطر الأرض؛ وقطر جرم الزُّهرة جزءٌ وربع من ثلاثة أجزاءٍ من قطر الأرض. وقطر جرم القمر جزآن وخمسٌ من ثلاثة أجزاء من قطر الأرض. وقطر جرم الشمس مثل قطر الأرض خمس مراتٍ ونصفٌ. وقطر جرم المرّيخ مثل قطر الأرض مرةٌ وسدسٌ. وقطر جرم المشتري أربع مراتٍ ونصفٌ مثل قطر الأرض.
فصل في مقادير أجرام هذه الكواكب
من جرم الأرض

القمر جزء من تسعة وثلاثين جزءاً من الأرض. وعُطارد جزء من اثنين وعشرين جزءاً من الأرض. والزُّهرة جزء من سبعة وأربعين جزءاً من الأرض. والشمس مثل الأرض مائة وستون مرةً وكَسرٌ. والمرّيخ مثل الأرض مرةٌ ونصف وثُمن. والمشتري مثل الأرض خمسٌ وتسعون مرةً. وزُحل مثل الأرض إحدى وتسعون مرة.
فصل من مقادير الكواكب الثابتة. هي ألفٌ واثنان وعشرون كوكباً، خمسة عشر منها كل واحدٍ مثل الأرض مائة مرةٍ وثماني مراتٍ، وقطر كلّ واحدٍ منها مثل قطر الأرض أربع مرات ونصفٌ وربعٌ، وفي رأي العين جزءٌ من عشرين جزءاً من قطر جرم الشمس. ومنها خمسة وأربعون كوكباً، كلُّ واحدٍ منها مثل الأرض تسعون مرةً. ومنها مائتا كوكب وثمانية كواكب، كلُّ واحدٍ مثل الأرض اثنتان وسبعون مرة. ومنها أربعمائة وأربعة وسبعون كوكباً، كلُّ واحدٍ واحد منها مثل الأرض أربع وخمسون مرة. ومنها مائتان وسبعةٌ وعشرون كوكباً، كلُّ واحد منها مثل الأرض ستٌّ وثلاثون مرةً. ومنها ثلاثة وثلاثون كوكباً، كلُّ واحدٍ منها مثل الأرض ثماني عشرة مرةً.

krimbow
10/06/2006, 01:00
فصل في اختلاف دوران الأفلاك حول الأرض

واعلم يا أخي أن الفلك المحيط الذي هوالمحرّك الأول عن الحركة الأولى التي هي النفس الكلّية يدور حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعةً سواءدورة واحدة، ولما كان الكوكب في جوفه مماسّاً له من داخله صار يُديره معه نحوالجهة التي يدور إليها، ولكن تقصُر حركته عن سرعة حركة محرّكه بشيء يسير، فيختلف عن موازاة أجزائه في كل مائة سنةٍ درجةً واحدة. ولما كان أيضاً فلك زحل في جوف هذا الفلك مماسّاً له في داخله، صار يديره معه نحوالجهة التي يدور إليها، ويتبعه فلك زحل، ولكن تَقصُر أيضاً حركته عن سرعة محرّكه بشيء يسير، فيختلف في كل يوم عن موازة أجزاء الفلك المحيط دقيقتين. وهكذا يجري حكم فلك المشتري في جوف فلك زحل كلَّ يومٍ خمسَ دقائق يتأخَّر عن موازاة أجزاء الفلك المحيط. وكذلك حكم فلك المرّيخ، في جوف فلك المشتري يتأخر عن موازتة أجزاء الفلك المحيط في دورةٍ، في كل يومٍ، إحدى وثلاثين دقيقة. وهكذا حُكم الشمس في جوف فلك المرّيخ وفلك الزُّهرة في جوف فلك الشمس، وفلك عُطارد في جوف فلك الزُّهرة يتأخر كلُّ واحدٍ منها عن موازاة أجزاء الفلك المحيط في كلّ يوم تسعاً وخمسين دقيقة. وأما فلك القمر فيتأخّر كل يوم عن مُوازاة الدرجة التي كان موازياً لها ثلاث عشرة درجة وكسراً. فقد بان بهذا الشرح أن كلّ واحدة من هذه الأُكر متحرِّكة بما فوقها ومحرِّكة لما تحتها، إلى أن تنتهي إلى فلك القمر؛ وأن كل واحدة تنقُص حركتها عن سرعة حركة محرِّكها؛ وأن فلك القمر أبطأُها حركةً من أجل بُعده من المحرِّكةِ الأولى التي هي فلك المحيط، لكثرة المتوسّطات بينهما، فلهذا السبب صار دوران هذه الأُكر حول الأرض مختلف الأزمان.

krimbow
10/06/2006, 01:01
وأما تفاوت أزمان أدوارها، فذلك أن الفلك المحيط يدور حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعة سواء دورةً واحدة، وفلك الكواكب في أكثر من هذه المدَّة بشيء يسير، وفلك زحل في أكثر من ذلك بما يكون مقداره جزءاً من أربعمائة وخمسين جزءاً من ساعةٍ. وهكذا فلك المشتري يدور حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعة وجزء من مائة وثمانين جزءاً من ساعة دورة واحدة. وأما فلك المرّيخ فيدور حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعة وسُدسٍ وخُمسِ ساعةٍ من ساعة، دورةً واحدة. وأما فلك الشمس والزُّهرة وعُطارد فإن كل واحد منها يدور حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعة وخُمسٍ وثلثِ ساعةٍ من ساعة، دورةً واحدة. وأما القمر فإنه لما كان أبطأها حركةً صار يدور حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعة وزيادة سِتّ أسباع ساعةٍ، دروةً واحدة.
فصل فيما يعرض للكواكب من الدوران في فلك البروج

فلهذا السبب عرض للكواكب دورانها في فلك البروج في أزمنة مختلفة، بيان ذلك أنه إذا سامَتَتِ الشمسُ بقعةً من الأرض مع أول درجة من الحمل، فإن تلك تعود إلى سَمْتِ تلك البُقعة بعد أربع وعشرين ساعة، وهكذا دأبها دائماً، أما الشمس فإنها تعود إلى سَمْت تلك البقعة مع الدرجة الثانية منه، وهكذا دأبها دائماً. وأما القمر فإنه يعود إلى سَمْت تلك البقعة مع الدرجة الثالثة عشرة مع برج الحَمل بعد أربع وعشرين ساعة، بزيادة ست أسباع ساعة بالتقريب، وفي اليوم الثالث يعود في الدرجة السادسة والعشرين من بُرج الحمل بعد ساعة وخمس أسباع ساعةٍ. وفي اليوم الرابع يعود مع الدرجة التاسعة من بُرج الثور بعد ساعتين وأربع أسباع ساعةٍ. وعلى هذا القياس تتأخَّر مُسامَتَتُه في كل يوم لتلك البُقعة مع درجة أُخرى، إلى أن يحصل من هذا التأخُّر عن فلك البروج في كل سبعة وعشرين يوماً، وتسع ساعاتٍ وخُمس وسُدس ساعة، دورةٌ واحدةٌ، ويحصل له أيضاً في هذه المدة حول الأرض سبعٌ وعشرون دورةً وكسرٌ، ويحصل أيضاً لتلك الدرجة في هذه المدة حول الأرض ثمانٍ وعشرون دورةً وكسرٌ، وأما الشمس فهكذا حكمها، وذلك بأنها إذا سامَتتْ بقعةً من الأرض مع أول دقيقة من بُرج الحمل، فإنها تعود إلى مُسامَتةِ تلك البُقعة مع الدقيقة التاسعة والخمسين من تلك الدرجةبعد أربع وعشرين ساعة وخُمس دقيقةٍ من ساعة، وفي اليوم الثاني تعود مع آخر الدرجة الثانية من الحمل، وهكذا تتأخر مُسامَتتُها في كل يوم مع درجة أُخرى إلى أن يحصل لها في فلك البروج في ثلثمائة وخمسة وستين يوماً وستِّ ساعات، دورةٌ واحدةٌ، ويحصل أيضاً حول الأرض في هذه المدة ثلثمائة وخمس وستون دورة وكسرٌ، ويحصل لتلك الدقيقة في هذه المدة حول الأرض ثلثمائة وست وستون دورةً وكسرٌ؛ وكذلك يجري حكم عُطارد والزُّهرة. وأما المريخ فإنه إذا سامت بقعةً من الأرض مع دقيقة من درجة، فإنه يعود في اليوم الثاني مع الدقيقة الحادية والثلاثين من تلك الدرجة، وفي اليوم الثالث مع الدقيقة من الدرجة التي تتلوها، إلى أن يحصل له في فلك البروج، سنةٌ فارسيةٌ وعشرة أشهر واثنان وعشرون يوماً، دورةٌ واحدة. وفي هذه المدة أيضاً يحصل له حول الأرض سبع وثمانون وستمائة دورة. ولتلك الدقيقة 688 وهي زيادة دورةٍ واحدة.
وأما المشتري إذا سامت بقعة ً مع دقيقة من درجة، فإنه يعود إلى سمت تلك البقعة مع الدقيقة الخامسة من تلك الدرجة، وفي اليوم الثاني مع الدقيقة العاشرة، وهكذا دأبه إلى أن يحصل في فلك البروج في كل إحدى عشرة سنة وعشرة أشهر وستة وعشرين يوماً، دورةٌ واحدة، ويحصل له في هذه المدة حول الأرض 4435 دورة ولتلك الدقيقة 4336 دورة.
وأما زحل فإنه إذا سامت بقعة فإنه يعود في اليوم الثاني مع أول دقيقة ثالثة، وفي اليوم الثالث مع الدقيقة الخامسة، وحصة كل يوم دقيقتان، إلى أن يحصل له في فلك البروج في كل تسعٍ وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة أيام، دورةٌ واحدةٌ، ويحصل له حول الأرض في هذه المدة 9111 دورةً، ولتلك الدورة 9112 دورةً.
وأما الكواكب الثابتة فإنه إذا سامت واحد منها بقعة من الأرض فإنه يعود إلى تلك البقعة مُسامتاً لها مع ثالثة من ثانية من دقيقة من درجة، فيحصل له في فلك البروج، في ست وثلاثين ألف سنة، دورةٌ واحدة، ويحصل له حول الأرض دورات كثيرة.
ولما بان لأصحاب الرَّصد دوران الفلك المحيط من المشرق إلى المغرب فوق الأرض، ومن المغرب إلى المشرق تحت الأرض، ودوران باقي الأفلاك تابعةً له بكواكبها، ووجدوها مُقصِّرةً عنه عن سرعة حركته، متأخرةً عنه في كل يوم بقدر ما لكل دور دون الآخر، كما بيّنا، عَمِلوا لها حساباً ودوّنوه في الزيجات، ليعرفوا، أيّ وقت أرادوا، مواضعها موازاتها من فلك البروج معرفةً حقيقيةً.
ولما تبين أصحاب الزيجات أيضاً ما يعرض للكواكب من الدوران في فلك البروج بسبب إبطاء حركة أُكرها عن سرعة حركة الفلك المحيط، سمّوا ما يعرض لها في فلك البروج من الدوران حركة من المغرب إلى المشرق، ليكون فرقٌ بالتسمية بين دورانها حول الأرض ودورانها في فلك البروج.

krimbow
10/06/2006, 01:03
فصل في بطلان قول من يقول إنها تتحرك من المغرب إلى المشرق

وقد ظن كثير من الناظرين في علم النجوم، ممن ليس له رياضةٌ بالنظر في علم الهندسة والطبيعيات، إن هذه الكواكب السيّارة تتحرّك من المشرق إلى المغرب مُخالفةً لدوران الفلك المحيط، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا، لأنه لوكان كما ظنوا لكان سبيلُها أن تطلع من المغرب وتغيب بالمشرق، كما أن الفلك المحيط تطلع درجاته من المشرق وتغيب في المغرب. وقد شهدوا دورانها في فلك البروج مُخالفاً لدوران الفلك، فسمَّوها حركةً من المشرق إلى المغرب، وشبّهوها بحركات نملاتٍ تتحرّك على وجه الرّحى مستقلّةً بحركتها، مُعاندةً مُخالفةً لها في حركاتها، والرحى بسرعة حركاتها تردّ تلك النملات إلى دورانها. فلوكان كما قالوا حقيقةً، لكانت حركتها سبعةٌ فقط، لأنها سبعة كواكب، والأمر بخلاف ذلك، لأن أصحات سيّارة الرّصد ذكروا أنها خمسٌ وأربعون حركةً، كما سنبيّن بعد، وقالوا إن القمر أسرع الكواكب حركةً. فلو كان كما ذكروا لدار حول الأرض في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، وقد بيّنا أنه يدور في أكثر من ذلك. ولوكانت حركاتها بالقصد مُعاندةً لحركات الفلك المحيط لوجب أن تكون طِباعها مُخالفةً لطباع الفلك، مُضادّةً لها، وكان يجب أن يكون لها خمسٌ وأربعون طبيعة لأنها خمس وأربعون حركة، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا، بل طبيعة الأفلاك والكواكب كلِّها طبيعةٌ واحدة في الحركة الدّوريّة، وقصدُها قصدٌ واحد، وإنما اختلفت حركاتُها في السرعة والإبطاء من أجل أنها في الأفلاك مُحرِّكاتٌ، كما بيّنا قبلُ. زمن أجل اختلاف حركاتها في السرعة والإبطاء اختلفت أزمان أدوارها حول الأرض، ومن أجل اختلافها حول الأرض اختلفت أدوارها في فلك البروج كما بيّنا، وأما مثل اختلاف دورانها حول الأرض فكدوران الطائفين حول البيت الحرام.

فصل في أن مثال دورانها حول الأرض كدوران الطائفين حول البيت الحرام

وذلك أن مثل البيت وسط المسجد الحرام، والمسجد وسط الحرم، والحرم وسط الحجاز، والحجاز وسط بلدان الإسلام، كمثل الأرض وسط كرة الهواء، وكرة الهواء في وسط كرة القمر، وفلك القمر في وسط الأفلاك؛ ومثل المصلّين من الآفاق المتوجّهين نحوالبيت كمثل الكواكب في الأفلاك ومطارح شُعاعاتها نحومركز الأرض. ومثل دوران الأفلاك بكواكبها حول الأرض كمثل دوران الطائفين حول البيت، ومثل اختلاف أدوارها حول الأرض كمثل اختلاف أشواط الطائفين حول البيت، وذلك أنّا نرى الطائفين حول البيت منهم من يمشي الهُوَينا، ومنهم من يستعجل، ومنهم من يستعجل، ومنهم من يُهروِل، ومنهم من يسعى، فتختلف بحسب ذلك أشواطهم، وكلُّهم متوجهون في طوافهم نحواً واحداً وقصداً واحداً. ولكن إذا بلغ الماشي الركْن العراقيّ، فقد بلغ المستعجل الرُّكن الشاميّ، والمهرول الركن اليمانيّ، والساعي الحجر الأسود. فبهذا السبب، إذا طاف الماشي شوطاً واحداً، فقد طاف الساعي أشواطاً، فهؤلاء الطائفون، وإن اختلفت أشواطهم من أجل سرعة حركاتهم وإبطائها، فليس قصدُهم إلاّ قصدٌ واحدٌ إلى جهة واحدة، فهكذا حكم الأفلاك وكواكبها في دورانها حول الأرض. وكما أن الطائفين حول البيت يبتدئون من عند باب البيت، ويجتمعون عنده سبعة أشواطٍ يدورونها حول البيت، فهكذا يقال إن الكواكب كلّها ابتدأت تحركاتها من مُوازاة أول دقيقة من برج الحمل الذي كأنه باب الفلك، ثم دارت حول الأرض، ثم اختلفت موازاتها بعد ذلك في درجات البروج، بحسب سرعتها وإبطائها كما قيل. وإذا اجتمعت هذه كلّها بعد دوراتٍ كثيرةٍ في مُوازاة تلك الدقيقة التي ابتدأت منها، قامت القًومة الكُبرى واستأنفت الدّور.
فصل في مثال أدوارها واعلم يا أخي أن حكماء الهند ضربوا مثلاً لدوران الكواكب حول الأرض، ليَقرُبَ على المتعلمين فَهمُه، ويسهلَ على المتأملين تصوُّره: ذكروا أن ملكاً من الملوك بنى مدينةً دورُها ستون فرسخاً، وأرسل سبعة نفرٍ يدورون حولها بسير مختلف: أحدهم كلّ يوم فرسخاً، والآخر كلّ يوم فرسخين، والثالث كلّ يوم ثلاثة فراسخ، والرابع كلّ يوم أربعة فراسخ، والخامس كلّ يوم خمسة فراسخ، والسادس كلّ يوم ستة فراسخ، والسابع كلّ يوم سبعة فراسخ. فقال: دوروا حول هذه المدينة، وليكن ابتداؤكم من عند الباب، فاذا اجتمعتم عند الباب بعدد دَوراتكم، فتعالوا فعرّفوني كمْ دار كلّ واحدٍ منكم.
فمن فهم حساب دوران هؤلاء النفر حول تلك المدينة وتصوَّره، يمكنه أن يفهم دوران هذه الكواكب حول الأرض، بعد كمْ دورةٍ يجتمعون في أول برج الحمل، كما كان ابتداؤهم. فأما حساب أوُلئك النفر فإنهم بعد ستين يوماً يجتمع ستة نفر عند باب المدينة، وقد دار واحدٌ منهم دورةً، والآخر دورتين، والثالث ثلاث دورات، والرابع أربعة دورات، والخامس خمس دورات، والسادس ستّ دورات. فأما الذي يدور كلّ يوم سبعةً فقد دار ثمانية أدوار وزاد أربعة أسباع فرسخ دورٍ، فيحتاج هؤلاء النفر أن يستأنفوا الدور، فبعد مائة وعشرين يوماً يجتمعون مرةً أُخرى، ولكن السابع قد دار سبع عشرة مرةً وزاد فرسخاً واحداً، فيحتاجون أن يستأنفوا الدور؛ فبعد مئة وثمانين يوماً يجتمع الستة مرة ثانية، وقد دار كلّ واحد حسابه الأول مرة ثالثةً، ولكن صاحب السبع قد دار خمساً وعشرين دورة، وزاد خمسة أسباعٍ، فيحتاجون أن يستأنفوا الدور؛ فبعد مئتين وأربعين يوماً يجتمعون مرة رابعة وقد دار كلّ واحد منهم حسابه الأول، ولكنّ صاحب السبعة قد دار أربعاً وثلاثين دورةً وزاد سبعين، فيحتاجون أن يستأنفوا الدور؛ فبعد ثلاثمائة يوم يجتمعون مرةً خامسة، وقد دار كلّ واحد منهم حسابه الأول مرةً خامسة، ولكن صاحب السبعة قد دار اثنتين وأربعين دورةً، وزاد ستة أسباع فيحتاجون أن يستأنفوا الدور؛ فبعد ثلثمائة وستين يوماً يجتمعون مرة سادسة، وقد دار كل واحد منهم لحسابه الأول مرة سادسة، ولكنّ صاحب السبعة دار إحدى وخمسين دورة، وزاد ثلاثة فراسخ، فيحتاجون أن يستأنفوا الدور، فبعد أربعمائة وعشرين يوماً يجتمعون كلّهم عند باب المدينة، وقد دار الأول سبعة أدوار، والثاني أربع عشرة دورة، والثالث إحدى وعشرين دورة، والرابع ثمانياً وعشرين دورة، والخامس خمساً وثلاثين دورة، والسادس اثنتين وأربعين دورة، والسابع قد دار ستين دورة.
فهذا مثلٌ ضربه حكماء الهند لدوران الأفلاك والكواكب حول الأرض، وذلك أن مثل الأرض كمثل تلك المدينة المبنيّة التي دَورُها ستون فرسخاً، ومثل الكواكب السبعة السيّارة ودورانِها حول الأرض كمثل أوُلئك النفر السبعة، واختلاف حركاتها في السرعة والإبطاء كاختلاف سير أُولئك النفر؛ والملك هوالله البارئ المصوِّر، تبارك ربُّ العالمين.

krimbow
10/06/2006, 01:04
فصل فيما يرى لها من الرجوع

والاستقامة والوقوف

اعلم يا أخي أن الذي يوصف من هذه الكواكب السبعة السيّارة خمسةٌ منها، وهي زُحل والمشتري والمرّيخ والزُّهرة وعطارد، تارةً بالرجوع وتارةً بالوقوف، وليس بالحقيقة ذلك، وإنما هوعارضٌ في رأي العين، وذلك أن كل كوكبٍ جرمه على كرة صغيرة تسمّى أفلاك التداوير، وهي مركّبةٌ كلّ واحدةٍ على فلك من الأفلاك الكبار التي تقدّم ذكرها، وغائصة في غِلَظ سُموكها، ويكون جانبٌ منها، مما يلي سطوحها، السّفلي، كلّ واحدة منها أيضاً دائمة الدوران في مواضعها من أفلاكها الحاملة لها. ويَعرِضُ لكل كوكب، إذا كان مركبّاً عليها، تارةً الصعود إلى أعلى سطح فلكٍ فيبعُد عن الأرض، وتارةً النزول من هناك فيقرُب من الأرض، فإذا كان في أعلى ذُراها ترى له حركةً على توالي البروج من أوَّلها إلى آخرها، وإذا كان في أسفل فلكه ترى له حركةً من آخر البروج إلى أولها؛ وإذا كان صاعداً أونازلاً يُرى كأنه واقفٌ، وليس بواقفٍ ولا راجع، ولكن دأبه الدوران، وإنما جعل أصحاب الرَّصد هذه الأسماء ألقاباً له.
??????فصل في تفصيل الحركات الخمس والأربعين

اعلم يا أخي أنه يَعرِض لكل كوكبٍ من هذه السبعة ستُّ جهات مختلفات، إحداها من المشرق إلى المغرب، وأُخرى من المغرب إلى المشرق، وأُخرى من الشمال إلى الجنوب، وأُخرى من الجنوب إلى الشمال، وأُخرى من فوق إلى أسفل، وأُخرى من أسفل إلى فوق. فتكون جملتها اثنتي وأربعين حركة. ويَعرِض للكواكب الثابتة حركتان، وللفلك المحيط حركة واحدة، فتلك هي خمس وأربعون حركة. فأما حركتها من المشرق إلى المغرب فهي بالقَصد الأول الحقيقي، وأما سائرُها فبالعَرَض لا بالقصد، وأما الذي يعرض من المغرب إلى المشرق فقد بيّنا معناه فيما تقدم، وأما الذي يَعرض من فوق إلى أسفل ومن أسفل إلى فوق فهومن جهة أفلاك التداوير، ومن جهة الأفلاك الخارجة عن المراكز؛ وأما التي تعرِض من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال فمن جهة ميل فلك البروج عن فلك مُعدّل النهار وشرحها يطول، فمن أراد هذا العلم مُستقصىً، فلينظُره في كتاب المجسطي أوبعض المختصرات في تركيب الأفلاك.
فصل في بيان الظلمتين الموجودتين في العالم

اعلم يا أخي أن العالم كلّه بأسره مُضيءٌ بنور الشمس والكواكب، وليس فيه إلا ظُلمتان، إحداهما ظلُّ الأرض والآُخرى ظلُّ القمر، وإنما صار لهذين الجسمين الظلُّ من أجل أنهما غيرُ نيّرين ولا مُشِفَّين. وأما النور الذي يُرى على وجه القمر، فإن ذلك من إشراق الشمس على سطح جرمه ولانعكاس شُعاعاتها كما يرى مثل ذلك في وجه المرآة إذا قابلت الشمس. وأما سائر الأجسام التي في العالم فبعضها نيّرٌ ونورها ذاتيٌّ لها وهي الشمس والكواكب والنار التي عندنا، وأما باقي الأجسام فكلُّها مُشِفَّاتٌ، وهي الأفلاك والهواء والماء وبعض الأجسام الأرضيّة، كالزجاج والبلّور وما شاكلهما. والأجسام النيّرة هي التي نورها ذاتي ولا لون طبيعيّ، ولكن إذا قابلها جسم نيّرٌ سرى نوره في جميع أجزائها مرّة واحدة؛ لأن النور صورةٌ روحانية، ومن خاصيّة الصّور الروحانية أن تسري في الأجسام دُفعةً واحدة، وتنسلّ منها دُفعةً واحدة بلا زمان، فإذا حال بين الأجسام النيّرة وبين الأجسام المشفّة حائلٌ غير مُشف منع نور النيّر أن يسري في الجسم المُشف. والنور في جرم الشمس والكواكب والنار ذاتيّ لها، وأما في أجرام الأفلاك والهواء والماء فعرضيّ. وأما جرم الأرض والقمر فلما كانا غير نيّرين ولا مُشفين، صار لهما الظلّ، لأن النور لا يسري فيهما كما يسري في الأجسام المُشفة، غير أن جرم القمر صقيلٌ يرُدُّ النور كما يرُدُّ وجه المرآة، وسطح جرم الأرض غير صقيل، فهذا هوالفرق بينهما.

krimbow
10/06/2006, 01:05
فصل في علّة الكسوفين

واعلم يا أخي أنه لما كان جرم الأرض وجرم القمر كلّ واحد منهما أصغر من جرم الشمس، صار شكل ظلّيهما مخروطاً، وشكل المخروط هوالذي أوّله غليظٌ، وآخره دقيقٌ، حتى ينقطع من دقَّته. فظلّ الأرض يبتدئ من سطحها، ويمتدّ في الهواء مُنخرطاً، حتى يبلغ إلى فلك القمر، ويمتدّ في سمكه، حتى يبلغ إلى فلك عُطارد، ويمتدّ في سمكه أيضاً إلى أن ينقطع هناك. فطوله من سطح الأرض إلى حيث ينقطع في فلك عُطارد مثل قطر الأرض مئة مرّةٍ وثلاثون مرّة، فيكون في سمك الهواء منه ستّة عشر جزءاً ونصفٌ، وفي سمك فلك القمر مثل ذلك، وسبعةٌ وستّون جزءاً منه في سمك فلك عُطارد إلى حيث ينقطع؛ ويكون قطر هذا الظل حيث يمرّ القمر في وقت مقابلة الشمس مثل قطر جرم القمر مرّتين وثلاثة أخماس. فإذا اتفق أن تكون الشمس عند إحدى العقدتين اللّتين تسمّيان الرأس والذنب، فيكون مرور القمر في سمك الظلّ كلّه ممنوعاً عنه نور الشمس، فينكسف ثم يخرج من الجانب الآخر وينجلي.
وأما ظلّ جرم القمر فيبتدئ من سطح جرمه ويمتدّ مُنخرطاً في سمك بعضه، والباقي في سمك الهواء، ويقطعه حتى يصل إلى سطح الأرض، فيكون قطر استدارته على وجه الأرض هناك مِقدار مئةٍ وخمسين فرسخاً، يزيد وينقُص بقدر بعد القمر عن الأرض وقربه منها، وهذا في وقت اجتماعه مع الشمس. فإن اتفق اجتماعها عند إحدى العُقدتين نرى القمر محاذياً لأبصارنا ولجرم الشمس، فيمنع عنّا نورها فنراها منكسفة. وإذا كان القمر في غير هذين الموضعين، أعني الاجتماع والاستقبال، يكون على أحد الموضعين أقرب، فإن كان قُربه إلى الاجتماع أكثر، كان رأس مخروط ظلّه في سمك الهواء، وإن كان إلى الاستقبال أقرب، كان رأس مخروط ظلّه في سمك فلكه أوفي سمك فلك عُطارد. وأما رأس مخروط ظلّ الأرض فإلى الدرجة المُقابلة لدرجة الشمس، في أي برج كانت، ويدور أبداً في مُقابلة الشمس، فإذا كانت من فوق الأرض، فظِلُّ الأرض تحتها، وإن كانت تحت الأرض، فظلُّ الأرض فوقها، وإن كانت بالمشرق، فظلّ الأرض في المغرب، وإذا صارت بالمغرب صار الظلّ إلى ناحية المشرق، وهذا دأبُها دائماُ يكونان حول الأرض وهما الليل والنهار.

فصل في أن الفلك طبيعة خامسة

واعلم يا أخي أن معنى قول الحكماء إن الفلك طبيعةٌ خامسة إنما يَعنون أن الأجسام الفلكية لا تقبل الكون والفساد والتغيُّر والاستحالة والزيادة والنقصان، كما تقبلها الأجسام التي تحت فلك القمر، وأن حركاتها كلّها دوريّةٌ.
واعلم أن للأجسام صفاتٍ كثيرةً، فمنها ما تشترك الأجسام كلّها فيها، ومنها ما يختصّ ببعضها دون بعضٍ، فالصفة التي تشترك فيها الأجسام كلّها والطول والعرض والعُمق فحسب.
واعلم أن الصفات إنما هي صورٌ تحصل في الهيولى، فيكون الهيولى بها موصوفاً؛ فمن هذه الصورة التي تسمّى الصفات مَهايا ذاتيةٌ للجسم مُقوِّمةٌ لوجدانه، كالطول والعرض والعمق، لأنها متى بطلت عن الجسم بطل وجدان الجسم، ومن الصورة ما هي متمّمة للجسم مُبلِغةٌ إلى أفضل حالاته، وهذه الصورة تختصّ ببعض الأجسام دون بعض، وربما يشترك فيها عِدّة أجسام. فمن الصور المتمّمة ما يشترك فيها الأجسام الفلكية والطبيعية، وهي الشكل والحركة والنور والشفافة واليبس الذي هو تماسك الأجزاء. ومما يختصّ بالأجسام الطبيعية الحرارة والبرودة والثّقل والتغيُّر والخفّة والاستحالة والحركة على الاستقامة وما شاكلها. والذي يختصّ بالأجسام الفلكية سَلْبُ هذه الصفات كلّها، فمن أجل هذا قيل إنها طبيعةٌ خامسةٌ، لأنها ليست حارةً ولا باردةً ولا رطبةً ولا ثقيلةً ولا خفيفةً، ولا يستحيل بعضها إلى بعضٍ فيكون منها شيء آخر، ولا يزيد في مقاديرها ولا ينقص، لأن الباري، جلّ ثناؤه، أبدعها كلّها واخترعها تامّةً كاملةً، فهي باقيةٌ بحالاتها إلى وقت ما ريد باريها، عزّ وجل، أن يُفنيها كيف شاء، كما أبد