-
PDA

عرض كامل الموضوع : رسائل اخوان الصفا، و خلان الوفا


صفحات : 1 2 [3] 4 5

krimbow
10/06/2006, 00:15
وأن النفس خادمة للعقل ومقدمة له، وأن العقل خادم للناموس ومقدمة له، وذلك أن الطبيعة إذا أصلت خلقاً وركزته في الجبلة، جاءت النفس الاختيار فأظهرته وبينته، ثم جاء العقل بالفكر والروية فتممه وكمله، ثم جاء الناموس بالأمر والنهي فسواه وقومه وعدله، وذلك أنه متى ظهرت من الطبيعة هذه الشهوات المركوزة في الجبلة، وكانت على ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، من أجل ما ينبغي، سميت خيراً؛ ومتى كانت بخلافه سميت شراً؛ ومتى فعل ذلك باختياره وإرادته، على ما ينبغي، بمقدار ما ينبغي، من أجل ما ينبغي، كان صاحبه محموداً؛ ومتى كان بخلافه كان مذموماً؛ ومتى كان اختياره وإرادته بفكر وروية، على ما وصفنا، كان صاحبه حكيماً فيلسوفاً فاضلاً؛ ومتى كان بخلافه سمي سفيهاً جاهلاً رذلاً؛ ومتى كان فعله وإرادته واختياره وفكره ورويته مأموراً بها ومنهياً عنها، وفعل ما ينبغي كما ينبغي، على ما ينبغي، كان صاحبه مثاباً بها ومجازى عليها؛ ومتى كان بخلاف ما ذكرناه كان مأخوذاً بها ومعاقباً عليها. فقد تبين بما ذكرنا أن الشهوات المركوزة في الجبلة، والأخلاق المنتشئة منها، والأفعال التابعة لها، وجميع المتصرفات من أجلها، هي لأن تبقى النفوس على أفضل حالاتها، ويبلغ كل نوع منها إلى أقصى مدى غاياتها.
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن الباري- جل ثناؤه- لما رتب النفوس مراتبها كمراتب الأعداد المفردات، على ما اقتضت حكمته، جعل أولها متصلاً بآخرها، وآخرها متصلاً بأولها، بوسائطها المرتبة بينهما، لترتقي بها ما دونها إلى المرتبة التي فوقها، ليبلغها إلى مدى غاياتها، وتمام نهاياتها، وذلك أنه رتب النفوس النباتية تحت الحيوانية وجعلها خادمة لها، ورتب الحيوانية تحت الناطقة الإنسانية وجعلها خادمة لها، ورتب الناطقة الإنسانية تحت العاقلة الحكمية وجعلها خادمة لها، ورتب العاقلة تحت الناموسية وجعلها خادمة لها، ورتب الناموسية تحت الملكية وجعلها خادمة لها؛ فأية نفس منها انقادت لرئيسها وامتثلت أمره في سياستها، نقلت إلى مرتبة رئيسها، وصارت مثلها في الفعل، والمثال في ذلك من المشاهد أن أي تلميذ أومتعلم في علم أوصناعة امتثل أمر أستاذه وانقاد لمعلمه ودام عليه، فإنه سيصير يوماً ما إلى مرتبة أستاذه، ويصير مثل معلمه؛ لا يخفى هذا على كل عاقل متأمل مثل ما وصفنا، فعلى هذا المثال يكون تنقل النفوس في مراتبها.
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن أحق النفوس الحيوانية أن تنقل إلى رتبة الإنسانية التي هي الخادمة للإنسان، المستأنسة به، المنقادة لأمره، المتعوبة في طاعته، الشقية في خدمته. وخاصة المذبوحة منها في القرابين. وعلى هذا المثال والقياس حكم النفوس الإنسانية، فإن أحقها أن تنتقل إلى رتبة الملائكة التي هي الخادمة في أوامر الناموس ونواهيه، المنقادة لأحكامه، المتعوبة في حفظ أركانه، كما سنبين بعد هذا الفصل.
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن الناس أصناف وطبقات في متصرفاهم في أمور الدنيا لا يحصي عددها إلا الله- جل ثناؤه- كما ذكر بقوله تعالى:" وقد خلقكم أطواراً" ولكن يجمعهم كلهم هذه السبعة الأقسام، وذلك أن منهم أرباب الصنائع والحرف والأعمال، ومنهم أرباب التجارات والمعاملات والأموال، ومنهم أرباب البنايات والعمارات والأملاك، ومنهم الملوك والسلاطين والأجناد وأرباب السياسات، ومنهم المتصرفون والخدامون والمتعيشون يوماً بيوم، ومنهم الزمنى؛ والعطل وأهل البطالة والفراغ؛ ومنهم أهل العلم والدين والمستخدمون في الناموس، وكل طائفة من هذه السبعة تنقسم إلى أصناف كثيرة، ولكل صنف منها أخلاق وطباع وسجايا ومآرب أكسبتهم إياها أعمالهم، وأوجبتها لهم متصرفاتهم، لا يشبه بعضها بعضاً، ولا يحصي عددها إلا الله عز وجل.
ولكن نريد أن نذكر منها ما يحتاج إليه، من الأخلاق والسجايا والخصال والأعمال والآداب والعلوم، أهل الدين المتمسكون بأحكام الناموس الحافظون أركانه الذين يرجى لهم النجاة بها والفوز باستعمالها، كما ذكر الله- جل ثناؤه:" قل هذه سبيلي أدعوإلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" وقوله:" ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم" وقال تعالى:" ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى" إلى آخر الآية، وآيات كثيرة من القرآن في مثل هذه المعاني.

krimbow
10/06/2006, 00:16
فصل في مراتب الناس في الأخلاق حسب الأعمال

أعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن الناس إذا اعتبرت أحوالهم وتبينت أمورهم وجدتهم كلهم كالآلات والأدوات لواضعي النواميس الإلهية في تأسيسهم بنيانها، وتتميمهم أحكامها، وتكميلهم شرائطها، وحفظهم أركانها؛ ثم تجدهم خدماً وخولاً للملوك الذين هم خلفاء الأنبياء من بعدهم في حفظها وحراستها على نظامها وترتيبها، كما رتبها واضعوالنواميس وأمروا بمراعاتها، وهم في ذلك أصناف وطبقات ومراتب مرتبات كترتيب الأعداد المفردات، وذلك أن واضع الناموس في مبدئه كالواحد في العدد، وأصحابه وانصاره الذين اتبعوه كالآحاد، ومن تبعهم على مناهجهم كالعشرات، ومن جاء من بعدهم كالمئات، ومن بعدهم كالألوف، ومن جاء من بعدهم كعشرات الألوف ومئات الألوف بالغاً ما بلغ، إلى يوم القيامة، ثم يصيرون بذلك كلهم جملة واحدة، كما ذكر الله- جل ثناؤه- بقوله وأشار إلى هذا المعنى:" يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون" وقال:" وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً، وعرضوا على ربك صفاً".
وأعلم يا أخي أيدك الله وإيانا بروح منه-بأنك إذا أنعمت النظر في الأمور المعقولة، وجودت التأمل لأحكام الناموس وحدوده، واعتبرت أحوال صاحب الناموس ونفاذ أمره ونهيه في نفوس اتباعه وأنصاره، وامتثالهم أمره ونهيه، وطاعتهم له، تبينت وعرفت بأن الناموس مملكة روحانية، وإن وجوده وقوامه في حفظ أركانه الثمانية، وتبينت بأن أركانه الذين هم أتباع صاحب الناموس وأنصاره، وهم ثمانية أصناف، كل صنف منهم كأنهم صف قيام، حاملون ركناً من أركان الناموس.
فأول الأصناف هم قراء تنزيله وكتبه، وحفاظ ألفاظه على رسومها، ومعلموها لمن بعدهم من ذراريهم، ليؤدوا إلى من بعدهم من أتباعهم ما أخذوا عمن قبلهم؛ كل ذلك لكيلا يجهلها من يجيء من بعدهم وتنسى فتندرس معالم الدين، وتضمحل وتبطل أحكام الناموس.
والصنف الثاني هم رواة أخباره، وناقلوأحاديثه، وحافظوسيره، ومؤدوها إلى من بعدهم، ليبلغوها إلى آخرهم كيلا يجهل وينسى فتندرس آثاره، ويموت أخباره فلا تعرف.
والصنف الثالث هم فقهاء أحكام الناموس، وعلماء سننه، وحفاظ حدوده، كيلا تجهل فلا تستعمل، أوتنسى فتندرس معالم الدين، وتضمحل ويبطل الناموس.
والصنف الرابع هم المفسرون ألفاظ تنزيله الظاهرة، وأقاويله المروية والمعبرون عن وجوه معانيه المختلفة، لمن قصر فهمه عنها، وقلت معرفته بها: كل ذلك كيلا يجهلها من يجيء من بعدهم من ذراريهم وأتباعهم في أحكام الناموس، أوتنسى فتندرس معالم الدين، وتضمحل وتبطل أحكام الناموس.
والصنف الخامس هم أنصاره المجاهدون، وغزاة أعدئه، الحافظون ثغور بلاد أتباع صاحب الناموس وأنصاره، كيلا يغلب عليها أعداؤهم ويفسد أمر دينهم عليهم، كما فعل بخت نصر بإيلياء في هيكل بني إسرائيل، وهوببيت المقدس، وكما فعلت الروم بثغور المسلمين.
والصنف السادس هم خلفاء صاحب الناموس في أمته، ورؤساء الجماعات، والحارسون شريعته على أمته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المانعون لهم أن يسيروا بغير سيرة الناموس، الحافظون أطراف المملكة، كيلا يخرج خارجي سراً أوعلانية، فيفسد أحكام الناموس بتمويهه وزروه على قلوب العامة والجهال، كما فعل مزدك الخرمي في مملكة قباذ ملك الفرس.
والصنف السابع هم الزهاد والعباد في المساجد، والرهبان والقوام في الهياكل، والخطباء على المنابر الواعظون الناس المحذورون لهم من ترك استعمال أحكام الناموس، الذامون أمور الدنيا، المحذرون لهم من الاغترار بامانيها، المزهدون للمنهمكين في الشهوات، المذكرون أمر المعاد وأحوال القيامة للغافلين عنها، المشوقون إلى نعيم الآخرة، المقرون بها: كل ذلك كيلا يجهل أمر المعاد، ولا ينسى ذكر الآخرة، والاستعداد للرحلة إليها، والتزود من الدنيا التقوى الذي هوخير الزاد، إذ كان هذا هوالغرض الأقصى في وضع الناموس الإلهي، والغاية والمطلب من الرياضيات الفلسفية.
والصنف الثامن هم علماء تأويل تنزيله، والراسخون في العلوم الإلهية والمعارف الربانية، العارفون خفيات أسرار الناموس، الذين هم الأئمة المهديون، والخلفاء الراشدون الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.

krimbow
10/06/2006, 00:17
فصل

وأعلم يا أخي بأنك إذا تأملت ونظرت إلى كل صنف من هذه الأصناف الثمانية


واعتبرت أحوالهم وما هم عليه ومتعلقون به، من حفظ هذه الأمور الثمانية، وحرصهم على مراعاتهم بشرائطها كما وصفنا، ثم نظرت بعين قلبك ونور بصيرتك وصفاء جوهرك إلى جملتهم، وتخيلتها في وهمك، وفكرت، رأيت الناموس مملكة روحانية، ورأيت أتباع صاحب الناموس وأنصاره يسعون فيه ويعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل؛ ورأيت واضع الناموس قد استوى على عرشه نافذاً فيهم أمره ونهيه، وهم حاملون عرشه يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به، ويستغفرون لمن في الأرض، وهم من بعدهم من أتباعهم، لأنهم كالسماء لمن بعدهم، ومن بعدهم كالأرض لهم، ولمن قبلهم من أسلافهم.
وأعلم يا أخي بأن كل طائفة من هذه الأصناف الثمانية تحتاج، في حفظها ركناً من أركان الناموس، إلى شرائط معلومة، وخصال محمودة، وأخلاق جميلة نحتاج أن نشرحها ونصفها: أما التي يحتاج إليها القراء والحفظة من الأخلاق الجميلة والخصال المحمودة والشرائط المعلومة، فأولها فصاحة الألفاظ، وتقويم اللسان، وطيب النغمة، وجودة العبارة، وسرعة الحفظ، وجودة الفهم، ودوام الدرس والنشاط في القراءة، والتواضع لمن يتعلم منه، والتعظيم له، ومعرفة حقه وحرمته، والرفق بمن يعلمه، والشفقة عليه، وقلة الضجر من إبطاء فهمه وحفظه، وترك ضيق الصدر من تلقينه، وقلة الطمع في أخذ العوض منه، وقلة المنة عليه بما يعلمه.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق أصحاب الأخبار وحملة الأحاديث، فأولها جودة الاستماع، واستيفاء الكلام، وضبط الألفاظ على رسمها، وتقييدها بالكتابة، والتحرز والتحرج والحذر من الزيادة فيها والنقصان عن تمامها، والصدق وحسن الأداء وتجنب الكذب، ثم الحكاية عنها بهيأتها، وبذلها ونشرها لمن سأل عنها، اويصلح له الإخبار عنها؛ وطيها وصونها عمن لا تصلح له ولا تليق به: كل ذلك نصيحة للإخوان، ونصرة للدين ولواضع الناموس، وابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه في الآخرة.
وأما التي يحتاج إليها الفقهاء والقضاة والمفتون، من هذه الخصال والأخلاق والشرائط المحمودة فيها، والقيام منها بما هم بسبيله، فأولها معرفة الرتب التي رتبها واضع الناموس من الأوامر والنواهي والفرائض والسنن والنوافل والحلال والحرام والحدود والحكام؛ ثم معرفة القياس وكيفية استخراج الفروع من الأصول في الفتاوى والمسائل الواردة التي ليس لها ذكر في الأصول، والتثبت والتأني في الفتيا، والاستقصاء في استفهام السؤال بجميع شرائطه، ثم قلة الترخيص في الشبهات من المحذورات، وترك التحريج في المشكلات، ودرء الحدود بالشبهات؛ وقلة الخلاف مع أبناء الجنس، وترك الحسد للأقران، وبذل النصيحة للإخوان، والشفقة والتحنن على الجهال، وترك الافتخار في الإصابة في الأحكام، وقلة الشنعة على العلماء بزلاتهم، والاحتمال لأذية الجيران، وقلة الرغبة في حطام الدنيا، وعفة الفرج، وترك الطمع، والقيام بواجب أحكام الناموس، وإن لا يكون قوله مخالفاً لعمله.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط المفسرون لألفاظ التنزيل، فأولها معرفة غرض صاحب الناموس في إيراده التنزيل، واستعماله الألفاظ المشتركة المعاني، ثم أن يكون له اتساع في معرفة تصاريف الكلام والأقاويل، وما يحتملها من المعاني مما يؤكد غرض واضع الناموس؛ ويكون له جودة بحث وبعد غور في استخراج المعاني ولطف العبارة عنها، بحسب ما تحتمل عقول المستمعين، ويقرب من فهم المتعلمين، ويكون له من يقظة القلب ما لا يناقض أقاويله وعباراته ولا في المعاني التي يشير إليها في تفسيره لألفاظ تنزيل واضع الناموس وأقاويله وكلامه وبيانه. وأعلم يا أخي بأنه متى لم يكن المفسر عارفاً بغرض واضع الناموس في إيراده الألفاظ المشتركة المعاني في تنزيله وأقاويله وعباراته وبيانه، تخيل له من تلك الألفاظ من المعاني غير ما أشار إليه واضع الناموس، وتوهم سوى ما أراد فيها، فأفهم المستمعينمن تفسيره ما تخيل هو، وعلم المتعلمين ما علم به، فصار له ذلك ديناً ومذهباً غير دين واضع الناموس وطريقته، وكان مخالفاً له في اعتقاده في الشريعة وهولا يشعر؛ ويكون بذلك مفسداً في أحكام الناموس، وهويظن أنه من المصلحين، ولا يدري. فاحذر يا أخي من هذا الباب، فإن فساد ديانات واضعي الناموس وأحكام شرائعهم أكثرها من هذا الباب يكون.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط أنصار واضع الناموس، وغزاة أعدائه، والحافظون ثغور بلاد أتباعه وأنصاره، أن يكون لهم تعصب للدين وغيرة على حرمة الناموس، وحمية من اجل فساد يدخل عليه، وحنق على العداء المجاهرين بالعداوة لواضع الناموس ودينه، المريدين فساد أحكامه؛ وقلة الهيبة منهم، وشجاعة النفس عند البراز، وخفة الحركة عند الجولان، وتيقظ القلب من غدر العدو، وأخذ الحذر في أوقات الغفلة، وقلة الاغترار بقلتهم، وطلب الحيلة للظفر ما استوى من غير قتال، ومخادعة في الحروب، ومبادرة في البراز إلى الأقران والأكفاء، وصبر عند اللقاء، وكثرة الذكر لله عز وجل، والاستعانة به، والأنفة من الفرار وما يكون فيه من العار، وقلة الرغبة في النهب، والتقية من هتك الحريم عند الظفر، وكثرة الشكر لله، وترك الإفساد عند الهزيمة، ورحمة الأسير، وقبول الصلح عند الهدنة، والوفاء بالعهد، وترك الإعجاب عند كثرة عدد الأعوان والأنصار.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط الزهاد والعباد والمذكرون للناس أمر الآخرة وذكر المعاد، فأولها التي هي أساس الدين وملاك الأمر القناعة باليسير من حطام الدنيا، والرضى بالقليل من متاعها ولذاتها، وصيانة النفس عن الانهماك في شهواتها ولذاتها، وترك طلب المنزلة والجلالة والكرامة، وقلة الحرص في طلب الحاجات فيها، والاشتغال بطلب العلم، والعبادة بالصوم والصلاة مع أبناء الجنس، وترك الخلطة في الراغبين فيها من أبنائها، والتفرد في الخلوات، وكثرة ذكر الموت وفناء نعيم الدنيا وزوال ملكها، والنظر إلى آثار القرون الماضية، والاعتبار بها، والدور الخربة والمنازل الدارسة العافية للأمم الخالية، والنظر في كتب الحكماء وأخبار سير الملوك الماضية، والتفكر في الأمثال المضروبة على ألسنة الحكماء ذوي التجربة في وصفهم الدنيا واعتبارهم تصاريف الزمان ونوائب الحدثان، والتيقن بأمر المعاد، وشدة الاشتياق إلى نعيم الآخرة دار القرار مع الأبرار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،" وحسن أولئك رفيقاً".
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط خلفاء واضع الناموس، وهم طائفتان، إحداهما خلفاؤه في الملك والرياسة في أمور الدنيا والتدبير والسياسة في حفظ ظاهر أحكام الناموس على أهلم، فقد أفردنا له رسالة، إذ كان هذا الباب يحتاج إلى خطب طويل وشرح كثير. وأما خلفاؤه في أسرار أحكام الناموس الذين هم الأئمة المهديون والخلفاء الراشدون فقد بينا أخلاقهم وخصالهم وشرائطهم وعلومهم ومعارفهم وطرائقهم في إحدى وخمسين رسالة عملناها ودوناها، وهذه الرسالة واحدة منها؛ فقم أيها الأخ البار الرحيم- أيدك الله وإيانا بروح منه- بالعمل بواجبها، والقيام بحقها، وأخبر جميع إخواننا حيث كانوا في البلاد بما في هذه الرسالة والرسائل الأخر، إذ الدال على الخير كفاعله.
وقد بينا بما ذكرنا طرفاً من خصال صاحب الناموس وحكم أتباعه معه في حفظهم أركان الناموس، وتصاريف أحوالهم في الدنيا، فنريد أن نذكر طرفاً من كيفية أحوالهم في الآخرة وتصاريف أحكامها، إذ كان هذا هوالغرض الأقصى في وضع النواميس الإلهية وسنن الديانات النبوية.
فأعلم يا أخي بأن لكل شيء من الموجودات في هذا العالم ظاهراً وباطناً، وظواهر الأمور قشور وعظام، وبواطنها لب ومخ، وإن الناموس هوأحد الأشياء الموجودة في هذا العالم منذ كان الناس، وله أحكام وحدود ظاهرة بينة يعلمها أهل الشريعة وعلماء أحكامها من الخاص والعام، ولأحكامه وحدوده أسرار وبواطن لا يعرفها إلا الخواص منهم والراسخون في العلم.

krimbow
10/06/2006, 00:17
وأعلم يا اخي بأن الناموس وضع لصلاح الدين والدنيا جميعاً، وأن الدنيا والآخرة هما داران متقابلتان، واسماهما مضادتان، ومعناهما وحقيقتهما وصفتهما مختلفات متضادات، إحداهما كالقشرة وهي الدنيا، والأخرى كاللب وهي الآخرة، ولهما أهل وبنون، ولأهلهما وبنيهما صفات وأخلاق وسجايا وأعمال متخالفات متضادات، نحتاج أن نشرحها ونفصلها ونذكر الفرق بينها وبين حقيقتها، ونميز بين أهلها، ليعلمها ويعرفها كل من أراد أن يفهمه، ويريد هذا العلم، إذ كان هومن أشرف العلوم وأجل المعارف التي يتعاطاها الناس من سائر العلوم، فنقول: أما الدنيا فاسمها مشتق من الدنووالقرب، والآخرة من التأخر؛ وأما حقيقتهما، فالدنيا هي تصاريف أمور تجري على الإنسان من يوم ولادة الجسد إلى يوم الممات الذي هوولادة النفس ومفارقتها إياه، والآخرة هي تصاريف أمور تجري على الإنسان من يوم الممات ومفارقة النفس الجسد إلى ما بعدها أبد الآبدين ودهر الداهرين.
وأعلم يا أخي بأن الله- جل ثناؤه- سمى الحياة الدنيا عرضاً ومتعاً إلى حين، لأن كون الإنسان في الدنيا عارض عرض في طريق الآخرة، ولم يكن القصد والغرض المقام فيها، كما أن الغرض في الكون في الرحم لم يكن الغرض والقصد طول المكث والمقام هناك، ولكن طريقاً وجوازاً إلى الدنيا، فكذلك كون النفس في هذا الجسد هوسفينة ومركوب ومعبر إلى الدار الآخرة، وذلك إنه لم يكن الورود إلى الدنيا دون الكون هنالك زماناً لتتميم بنية الجسد، وتكميل صورته كما بينا في رسالة مسقط النطفة، فهكذا ايضاً حكم المكث في الدنيا والكون فيها زماناً هوطريق وجواز إلى ما بعدها، وذلك إنه لم يكن الورود إلى الدار الآخرة دون الجواز على الدنيا والكون فيها زماناً ما لكيما تتم أحوال النفس وتكمل فضائلها، كما بينا في رسالة الإنسان عالم صغير، ورسالة حكمة الموت.
ولهذا المعنى الذي ذكرناه ووصفناه قيل في الخطب على المنابر في الأعياد والجمعات: أعلموا أيها الناس إنكم إنما خلقتم للأبد، ولكن من دار إلى دار تنقلون، ومن الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى البرزخ؛ ومن البرزخ إلى الجنة أوإلى النار، كما ذكر الله- عز وجل- بقوله:" أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً، وأنكم إلينا لا ترجعون". وقوله:ط يريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة". وقوله:" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً" وآيات كثيرة في القرآن في التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، مثل قوله تعالى:" وإن الدار الآخرة لهي الحيوان؛ لوكانوا يعلمون" يعني أبناء الدنيا لرغبوا فيها أكثر وحرصوا في طلبها أشد، ولكنهم عنها غافلون ساهون جاهلون، لا يدرون ما هناك من النعيم واللذات والسرور والفرح والراحة، كما ذكر الله- عز وجل- واختصر بقوله:" فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنت فيها خالدون" فلما جهل أبناء الدنيا أمور الآخرة، وغفلوا عنها، اشتغلوا عند ذلك بطلب الدنيا ونعيمها ولذاتها وشهواتها، وتمنوا الخلود فيها، لأنها محسوسة لهم، يشهدونها، وتلك غائبة عن إدراك الحواس، فتركوا البحث عنها، والرغبة فيها، والطلب لها، وإليهم أشار بقوله- جل ثناؤه:" ورضوا بالحياة الدنيا وأطمأنوا بها، والذين هم عن آياتنا غافلون".
وأعلم يا أخي بأن الله- جل ثناؤه- سمى الدار الآخرة الحيوان، لأنها عالم الأرواح ومعدن النفوس، والدنيا عالم الأجسام، وجواهر الأجسام موات بطبائعها، وإنما تكسبها الحياة النفوس والأرواح بكونها فيها ومعها، كما تكسب الشمس الهواء النور والضياء بإشراقها عليه، وفيه الدليل على ان النفوس هي التي تكسب الأجساد الحياة بكونها معها، وما يرى من حال الأجساد قبل الموت من الحس والحركة والشعور والأصوات والتصاريف وكيفية فقدانها ذلك عند الموت الذي ليس هوشيئاً سوى مفارقة النفس الجسد، مما لا خفاء به عند كل عاقل منصف بعقله في موجبات أحكامه.
وأعلم يا أخي بأن أكثر الناس من أتباع واضعي الناموس وأنصارهم مقرون بالآخرة مؤمنون بها، ولكنهم لا يعرفون ماهيتها، ولا يدرون ما حقيقتها ولا كيفيتها ولا أبنيتها، ولا متى وقت الوصول إليها؛ وهكذا أيضاً كثير من المتفلسفين مقرون بعالم الأرواح وجواهر النفوس، ولكن أكثرهم أيضاً لا يدرون كيف الطريق نحوها، ولا كيف الوصول. وقد بينا نحن في رسائلنا الناموسية والعقلية ما يحتاج إليه كلا الفريقين جميعاً في هذا المعنى. وإذ قد تبين بما ذكرنا ما الدنيا وما الآخرة فنقول الان إن الناس كلهم أبناء الآخرة وأهلها، كما هم أبناء الدنيا وأهلها، ولكنهم ينقسمون في الآخرة قسمين اثنين، كما هم في الدنيا قسمان اثنان: سعداء وأشقياء، فأما سعداء بني الدنيا وأشقياؤهم فهم معروفون ولسنا نحتاج إلى ذكرهم، إذ كان هذا هومشاهد، ولكن الذي نحتاج أن نذكره علامات سعداء أبناء الآخرة وأخلاقهم وأعمالهم، إذ كان هذا أمراً خفياً لا يعلم إلا بعد الوصف والشرح والدليل والعلامات.

krimbow
10/06/2006, 00:18
فصل في انقسام الناس في السعادة أربعة أقسام

أعلم يا أخي أن الناس ينقسمون في سعادة الدنيا والآخرة وشقائها أربعة أقسام: فمنهم سعداء في الدنيا والآخرة جميعاً، ومنهم أشقياء فيهما جميعاً، ومنهم أشقياء في الدنيا سعداء في الآخرة، ومنهم سعداء في الدنيا أشقياء في الآخرة.
فأما السعداء في الدنيا والآخرة جميعاً فهم الذين وفر حظهم في الدنيا من المال والمتاع والصحة، ومكنوا فيها، فاقتصروا منها على البلغة ورضوا بالقليل، وقنعوا به، وقدموا الفضل إلى الآخرة ذخيرة لأنفسهم، كما ذكر الله تعالى بقوله:" وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله" وقال الله سبحانه:" ووجدوا ما عملوا حاضراً" وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى.
وأما سعداء أبناء الدنيا وأشقياء أبناء الآخرة فهم الذين وفر حظهم من متاعها ومكنوا منها وارتقوا فيها، فتمتعوا وتلذذوا وتفاخروا وتكاثروا، ولم يتعظوا بزواجر الناموس، ولم ينقادوا له، ولم ياتمروا لأمره، وتعدوا حدوده، وتجاوزوا المقدار، وطغوا وبغوا وأسرفوا، والله لا يحب المسرفين، وهم الذين أشار إليهم بقوله- جل ثناؤه:" أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، واستمتعتمم بها" إلى آخر الآية. وقال:" من كان يريد الحياة الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب." وآيات كثيرة في القرآن في وصف هؤلاء.
وأما أشقياء الدنيا وسعداء الآخرة فهم الذين طالت أعمارهم فيها، وكثرت مصائبهم في تصاريف أيامها، واشتدت عنايتهم في طلبها، وفنيت أبدانهم في خدمة أهلها، وكثرت همومهم من أجلها، ولم يحظوا بشيء من نعيمها ولذاتها، وائتمروا بأوامر الناموس، ولم يتعدوا حدوده، وقد ذكر الله ذلك في آيات كثيرة من القرآن:" إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".
وأما أشقياء الدنيا والآخرة فهم الذين بخسوا حظهم من الدنيا ولم يمكنوا منها وشقوا في طلبها، فعاشوا فيها طول أعمارهم بأبدان متعوبة ونفوس مهمومة، ولم ينالوا خيراً، ثم لم يأتمروا بأوامر الناموس، ولم ينقادوا لأحكامه، وتجاوزوا حدوده، ولم يتعظوا بزواجره، ولم يعملوا في عمارة بنيانه ولا في حفظ أركانه، فهم الذين خسروا الدنيا والآخرة جميعاً، ذلك هوالخسران المبين.

krimbow
10/06/2006, 00:19
فصل

وإذ قد تبين بما ذكرنا بأقسام عقلية أنه لا يخلوأحد من الناس

من أن يكون داخلاً في أحد تلك الأقسام الأربعة، فنريد أن نذكر أخلاق أبناء الدنيا وطباعهم، وأخلاق أبناء الاخرة وسجاياهم، ليعرف الفرق بينهم.
أعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن أخلاق بني الدنيا هي التي ركزتها الطبيعة في الجبلة من غير كسب منهم ولا اختيار ولا فكرة ولا روية ولا اجتهاد ولا كلفة، فهم يسعون فيها ويعملون عليها مثل البهائم في طلب منافع الأجساد ودفع المضرة عنها، كما قال الله تعالى ذكره:" يأكلون كما تأكل النعام، والنار مثوى لهم." وأما أخلاق أبناء الآخرة فهي التي اكتسبوها باجتهادهم، إما بموجب العقل والفكر والروية، وإما باتباع أوامر الناموس وتأديبه، كما سنبين، وتصير عند ذلك عادة لهم بطول الدؤوب فيها وكثرة الاستعمال لها، وعليها يجازون ويثابون، كما ذكر الله تعالى بقوله:" وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى".
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأنك إذا أنعمت النظر بعقلك، وفكرت برويتك، وتأملت أوامر الناموس ونواهيه وأحكامه وحدودهه وترغيبه وترهيبه ووعده وعيده وزجره وتهديده، عرفت وتبينت أن أكثر اوامره هي بخلاف ما في طباع الناس، ونواهيه عما هو في الجبلة مركوزة من تركب الشهوات، أوطلب الراحة والنعيم والتلذذ، وما هومركوز في الجبلة، وذلك أنه أمر بالصيام وترك الأكل والشرب عند شدة الجوع والعطش، وبالطهارة عند البرد، وبالقيام في الصلاة وترك النوم على الفراش الوطيء، وبالمواساة عند القلة وشدة الحاجة، وبالتعفف عند هيجان الشهوة، وبالحلم عند سورة الغضب، وبالشجاعة عند المخاوف، وبالعفوعند المقدرة، وبالعدل عند الحكومة؛ وبالصبر عند الشدائد، وبالرضى عند مر المقادير، وبحسن العزاء عند المصائب، وبالاجتهاد والتشمير عند الكسل، وبصدق القول عند شدة الخوف منه، وبالسخاء عند شدة الفقر، وبوفاء العهد عند المغيب، وبالزهد في الدنيا عند التمكن منها، وما شاكل هذه الأفعال والأعمال والأخلاق والسجايا التي في الجبلة خلافها، وفي الطباع مركوز غيرها، ويروى في الخبر إنه سئل رسول الله- صلى الله عليه وآله- عن معنى قول الله عز وجل:" خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين" فقال: جمع في هذه الآية مكارم الأخلاق، وهي سبعة: عفوك عمن ظلمك، وإعطاؤك من حرمك، وصلتك لمن قطعك، وإحسانك إلى من أساء إليك، ونصيحتك لمن غشك، واستغفارك لمن اغتابك، وحلمك عمن أغضبك.
وأعلم يا أخي بأن هذه هي أمهات أخلاق الكرام من أولياء الله الذين أشار إليهم بقوله: " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً؛" إلى آخر الآية، وقوله:" رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً" وهي أخلاق الملائكة الذين أشار إليهم بقوله جل ثناؤه:" الذين يحملون العرش، ومن حوله" الآية.
انظر الآن يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- إلى ما ذكرناه من أخلاق الكرام، وتفكر فيها إن كنت تريد أن تكون من أولياء الله وأهل جنته، ومن حزب ملائكته الكرام البررة؛ فاقتد بهم وتخلق بأخلاقهم باجتهاد منك وروية، وعناية شديدة، وكثرة استعمال لها، وطول دربة بها، لتصير لك عادة وطبيعة وجبلة مركوزة، وتبقى في نفسك مصورة عند المفارقة، ودع أخلاق إخوان الشياطين وجنود إبليس أجمعين، وأعلم علماً يقيناً بأن ليس يصحب الإنسان بعد الموت عند مفارقة النفس الجسد، ويبقى معه من كل ما يملك في الدنيا من المال والأهل والمتاع، إلا ما كسبت يداه من هذه الأخلاق والأعمال المشاكلة لها، والعلوم والمعارف والآراء التي اعتقدها وأضمرها كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إنما هي أعمالكم ترد إليكم. وقال الله- جل ثناؤه-: " ووجدوا ما عملوا حاضراً".
وأعلم يا أخي بأن أخلاق بني الدنيا وسجاياهم إنما جعلت طبيعة مركوزة في الجبلة، لأنهم وردوا إلى الدنيا جاهلين غير مستعدين لها، فأزيحت عللهم في ذلك. فأما أبناء الآخرة فصارت أخلاقهم مكتسبة معتادة، لأنهم أزيحت عللهم قبل ورودهم إلى الآخرة، بما أعلموا بها وأخبروا عنها وبشروا بها وأنذورا منها وجدوا في طلبها، وأوضح لهم طريقها وأزيحت عللهم فيما يحتاجون إليه من البيان والاستطاعة والقدرة والهداية والأمر والنهي والوعد والوعيد والترغيب والترهيب وما شاكل ذلك مما هوبين واضح في أحكام النواميس وحدودها، وفي موجبات العقول وقضاياها، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والعقول المركوزة. وإذ قد تبين بما ذكرنا ما العلة وما السبب في كون أخلاق أبناء الدنيا مركوزة في الجبلة، وأخلاق أبناء الآخرة مكتسبة معتادة، فنريد أن نبين أن من الأخلاق المكتسبة ما هي مذمومة وما هي محمودة، وإن المحمودة منها ما هي بمموجب العقل وقضاياه، ومنها ما هي بموجب أحكام الناموس وأوامره، وهكذا حكم المذمومة منها.
وأعلم يا أخي بأن كل عاقل ذكي القلب إذا نظر بعقله وتفكر برويته في أحوال الناس، وميز بين طبقاتهم، واعتبر تصاريف أمورهم في دنياهم، عرف وتبين له بأن منهم خاصاً وعاماً وملوكاً وسوقة، ويعلم ويتبين له بأن أخلاق الملوك وسجاياهم وآداب أتباعهم ومن يصحبهم وينادمهم خلاف أخلاق العامة والسوقة؛ ويعلم بأنه لا يترك أحد من العامة والسوقة أن يدخل إلى مجالس الملوك إلا بعد أدب وعلم وسكون ووقار وهيبة وجلالة، فيكون في هذا دلالة له، فيعلم إنه لا يمكن أحداً من الناس ولا يليق به ولا يثق أن يصعد إلى ملكوت السموات وسعة الأفلاك والدخول في زمرة الملائكة إلا بعد عناية شديدة في تهذيب نفسه وإصلاح أخلاقه وصحة اعتقاده وحقيقة معلوماته، فيجتهد عند ذلك في إصلاح ما هوفاسد منها، ويتجنب ما هومذموم بحسب ما توجبه قضية عقله، ويؤدي إليه اجتهاده كما هومذكور في كتب السياسة الفلسفية.
وأعلم يا أخي إنه لما لم يكن في مكنة كل عاقل أن يفعل ما وصفنا، إذ كان يحتاج فيه إلى عناية شديدة وبحث دقيق ونظر قوي، خفف الله تعالى ذلك عليهم، وبعث واضعي النواميس الإلهية مؤيدين مع الوصايا المرضية، وأمرهم بامتثال أمرهم ونهيهم، فبنوا لهم الهياكل والمساجد والبيع ومواضع الصلوات وبيوت العبادات، وأمروهم بالدخول إليها بعد طهارة ونظافة ولبس الزينة بسكينة ووقار وأدب وورع وخشوع وتسبيح واستغفار، وترك أشياء كانت مباحة لهم، وجائزاً أن يفعلوا في بيوتهم وأسواقهم ومجالسهم وطرقاتهم: كل ذلك ليكون دلالة لكل عاقل فهم إنه هكذا ينبغي أن تكون سيرة من يريد أن يدخل الجنة ويعرج بروحه إلى ملكوت السموات، طول عمره وأيام حياته كلها، لتصير عادة له وجبلة وطبيعة ثابتة، فيستحق ويستاهل أن يعرج بروحه إلى هناك كما ذكر الله تعالى بقوله:" إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه" يعني روح المؤمن. فإذا تفكر كل عاقل فيما يسمع من الخطب على المنابر في كل الديانات والملل في الأعياد والجمعات، تبين له حقيقة ما قلنا وصحة ما وصفنا.
وأعلم يا أخي أن لواضعي النواميس وصايا كثيرة مفننة، لأن دعوتهم عموم للخاص والعام جميعاً، أعني أتباعهم، مختلفوالأحوال، فبينوا لكل طبقة ما ينبغي ويصلح لها، ولكن الذي عمهم كلهم هي الدعوة إلى الإقرار بما جاؤوا به والتصديق لهم بما خبروا عنه من الأمور الغائبة، علم ذلك أتباعهم أولم يعلموا، هذا هوالإيمان كما قال تعالى:" يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً" فآمنوا بالله ورسوله. ثم أمرهم بعد هذا بأشياء، ونهاهم عن أشياء كثيرة هي معروفة معلومة عند علماء أهل الشريعة وفقهائهم، ولكن آخر ما ختمها به قوله:" واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" ويروى في الخبر أن هذا آخر ما نزل من القرآن.
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن أوامر الله تعالى لعباده مماثلة لأوامر الملوك، وذلك أن من سنة الملوك والخلفاء وكثير من الرؤساء، ومن آدابهم إنهم إذا تفرس أحدهم في أحد أولاده اوعبيده النجابة والفلاح، عني به أفضل عناية، في تعليمه وتأديبه ورياضته، وحماه من اللعب واللهو والانهماك في الشهوات، ونهاه عن ترك الآداب، وسوء الأخلاق وما لا يليق بأخلاق الرؤساء والعقلاء والأخيار: كل ذلك ليتخرج ويكون مهذباً متهيئاً لقبول ما يراد منه أن يكون خليفة لمولاه ومكان أبيه في الرياسة والملك، وهكذا كان تأديب الله تعالى لأنبيائه ورسله وأوليائه من المؤمنين فيما أمرهم به من أتباع رضوانه، ونهاهم عنه من أتباع هوى أنفسهم كما قال تعالى:" وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى" وهكذا أيضاً إن كثيراً من أولاد الملوك وعبيدهم إذا احس من أبيه أومولاه ما ذكرنا، أخذ نفسه بامتثال أمره ونهيه وترك شهواته وأتباع هواه: كل ذلك لما يرجومن المر الجليل والخطب العظيم، فهكذا حكم أولياء الله من المؤمنين الذين يرجون لقاء الله.
وأما المتخلفون والمدابير؛ من أولاد الملوك والرؤساء وعبيدهم الأشقياء الذين لا يرجون ما يوعدون، فهم لا يقبلون ما يؤمرون ولا يسمعون ما يقال لهم، ولا يفكرون فيما يقال من الترغيب والترهيب، بل يسعون ليلهم ونهارهم في طلب شهواتهم وارتكاب هوى أنفسهم، فلا جرم أنهم يحرمون ما ينال إخوانهم من الرياسة والأمر والنهي والسلطان والعز والكرامات. فأما هؤلاء المدابير من أولاد الملوك فلا يصلحون لشيء غير أن يكونوا رهائن عند أعدائهم أومعتقلين عند إخوانهم، فهكذا يا أخي حكم الكافرين والمنافقين والفاسقين في الآخرة، يحرمون ما ينال المؤمنين من الكرامات والقرب والمراتب والدرجات والسرور واللذات، عقوبة لهم لما تركوا من وصية ربهم، وارتكبوا هوى أنفسهم، وضلوا عن الهدى، وحرموا الثواب والجزاء كما قال الله تعالى: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة" الآية.
وإذ قد تبين بما ذكرنا أن تأديب الله للمؤمنين مماثل لتأديب الملوك لأولادهم، فنقول: أعلم يا أخي أن وعده ووعيده وعذابه للكافرين والمنافقين والفاسقين مماثل لوعيد الطبيب المشفق الحكيم لولده الجاهل العليل، كما بينا في رسالة الآلام واللذات. وقد ذكر الله وعده للمؤمنين ووعيده للكافرين والمنافقين في القرآن في نحومن ألف آية مثل قوله تعالى:" وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار" الآية. وإنما جعل الله- جل ثناؤه- ثواب المؤمنين الجنان ونعيم الآخرة، لأن الإيمان خصلة تجمع فضائل كثيرة ملكية، وشرائط كثيرة عقلية، فللمؤمنين علامات يعرفون بها ويتميزون على الكافرين والمنافقين. وقد بينا طرفاً من هذا العلم في رسالة الإيمان وخصال المؤمنين، ولكن نحتاج أن نذكر في هذه الرسالة طرفاً منها ليكون تذكاراً وموعظة للغافلين، كما أمر الله تعالى بقوله:" وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".

krimbow
10/06/2006, 00:20
فصل أعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه-

أن خواص عباده المؤمنين العارفين المستبصرين يعاملون الله- جل ثناؤه- بالصدق واليقين، ويحاسبون أنفسهم في ساعات الليل والنهار فيما يعملون، كأنهم يشاهدون الله ويرونه، فيجدون ثواب أعمالهم ساعةً ساعةً لا يتأخر عنهم لحظة واحدة، وهي البشرى في الحياة الدنيا، قبل بلوغهم إلى الآخرة، ويرون جزاء سيئاتهم أيضاً يعقب أفعالهم، لا يخفى عليهم إلا قليل، وإليهم أشار بقوله- جل ثناؤه-" إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا، فإذا هم مبصرون" وبقوله تعالى:" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" وقال: " إلا عبادك منهم المخلصين." وآيات كثيرة ذكرها بمدحهم وحسن الثناء عليهم، وهم أعرف الناس بالله وأحسنهم معاملة معه.
وذكروا أن واحداً منهم اجتاز يوماً في بعض سياحته براهب في صومعة له على رأس تل، فوقف بإزائه، فناداه: يا راهب، فأخرج رأسه إليه من صومعته وقال: من هذا، قال: رجل من أبناء جنسك الآدميين. قال: فما تريد، قال: كيف الطريق إلى الله، قال الراهب: في خلاف الهوى. قال له: فما خير الزاد، قال: التقوى. قال: لم تباعدت عن الناس وتحصنت في هذه الصومعة، قال: مخافة على قلبي من فتنتهم وحذراً على عقلي الحيرة من سوء عشرتهم، فطلبت راحة نفسي من مقاساة مداراتهم وقبيح أفعالهم، وجعلت معاملتي مع ربي فاسترحت منهم.
قال: فأخبرني كيف وجدتهم، قال: أسوأ قوم وأشر أصحاب، ففارقتهم. قال: فكيف وجدتم، يا معشر أتباع المسيح، معاملتكم مع ربكم، فاصدقني القول ودع عنك تزويق الكلام وزخارف الألفاظ. فسكت الراهب متفكراً ثم قال: أسوأ معاملة تكون. قال له: وكيف ذلك، قال: لأنه أمرنا بكد الأبدان، وجهد النفوس، وصيام النهار، وقيام الليل، وترك الشهوات المركوزة في الجبلة، ومخالفة الهوى الغالب، ومجاهدة العدوالمتسلط، والرضى بخشونة العيش، والصبر على الشدائد والبلوى، ومع هذه كلها جعل الأجر نسيئه؛ في الآخرة بعد الموت، مع بعد الطريق وكثرة الشكوك والحيرة، فهذه حالتنا في معاملتنا مع ربنا؛ فخبرني عنكم، يا معشر أتباع أحمد، كيف وجدتم معاملتكم مع ربكم، قال: خير معاملة تكون وأحسنها.
قال الراهب: صفها لي. قال له: إنه أعطانا سلفاً؛ كثيرة ومواهب جزيلة لا تحصى فنون أنواعها من النعم واإحسان والأفضال، فنحن، ليلنا ونهارنا، نتقلب في أنواع من نعمه وفنون من آلائه ما بين سالف معتاد، وآنف؛ مستفاد، وخالف منقاد. قال الراهب: كيف خصصتم بهذه المعاملة دون غيركم والرب واحد، قال: أما النعمة والإحسان والإفضال فعموم للجميع، قد عمتنا كلنا، ولكن نحن خصصنا بحسن الاعتقاد وصحة الرأي والإقرار بالحق والإيمان والتسليم، فوفقنا لمعرفة الحقائق لما أعطينا بالانقياد والإيمان والتسليم وصدق المعاملة من محاسبة النفس، وملازمة الطريق، وتفقد تصاريف الأحوال الطارئة من الغيب، ومرعاة القلب بما يرد عليه من الخواطر والوحي والإلهام ساعة بساعة.
قال الرهب: زدني في البيان. قال: نعم، اسمع ما أقوله، وافهمه، واعقل ما تفهم، إن الله- جل ثناؤه- لما خلق الإنسان من طين ولم يكن شيئاً مذكوراً، وجعل من سلالة ماء مهين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم قلبه حالاً بعد حال تسعة أشهر، إلى أن أخرجه من هناك، خلق سوياً بنية صحيحة، وصورة تامة، وقامة منتصبة، وحواس سالمة. ثم زوده من هناك لبناً لذيذاً خالصاً سائغاً لذة للشاربين حولين كاملين، ثم رباه وأنشأه وأنماه بفنون من لطفه وغرائب من حكمته، إلى أن بلغه أشده واستوى، ثم آتاه حكماً وعلماً، وقلباً ذكياً، وسمعاً دقيقاً، وبصراً حاداً، وذوقاً لذيذاً، وشماً طيباً، ولمساً ليناً، ولساناً ناطقاً، وعقلاً صحيحاً، وفهماً جيداً، وذهناً صافياً، وتمييزاً وفكراً وروية ومشيئة واختياراً، وجوارح طائعة، ويدين صانعتين، ورجلين ساعيتين؛ ثم علمه الفصاحة والبيان والخط بالقلم، والصنائع والحرف والزراعة والبيع والتجارة والتصرف في المعاش وطلب وجوه المنافع، واتخاذ البنيان، وطلب العز والسلطان والأمر والرياسة، والتدبير والسياسة؛ وسخر له ما في الأرض جميعاً من الحيوان والنبات والمعادن، فغدا متحكماً عليها تحكم الأرباب، ومتصرفاً فيها تصرف الملاك، متمتعاً بها إلى حين. ثم أراد الله أن يزيده من إحسانه وفضله وجوده وإنعامه شيئاً آخر أشرف وأجل مما عددنا وذكرنا، وهوما أكرم الله به ملائكته، وخالص عباده، واهل جنته من النعيم الذي لا يشوبه نقص ولا تنغيض، إذ كان نعيم الدنيا مشوباً بالبؤس، ولذاتها بالآلام، وسرورها بالحزن، وراحتها بالنصب، وعزتها بالذل، وصفوها بالكدر، وغناها بالفقر، وصحتها بالسقم؛ وأهلها فيها معذبون في صورة المنعمين، مغتمون في صورة المغبوطين، مغرورون في صورة الواثقين، مهانون في صورة المكرمين، وجلون غير مطمئنين، خائفون غير آمنين، مترددون بين الأضداد، من نور وظلمة، وليل ونهار، وشتاء وصيف، وحر وبرد، ورطب ويابس، ونوم ويقظة، وجوع وشبع، وعطش وروي، وراحة وتعب، وشباب وهرم، وقوة وصعف، وحياة وموت، وما شاكل ذلك من الأمور التي أهل الدنيا وأبناؤها مترددون بينها، متحيرون فيها، مدفوعون إليها. فأراد ربك أن يخلصهم من هذه الآلام المشوبة باللذات، وينقلهم منها إلى نعيم لا بؤس فيه، ولذة لا يشوبها ألم، وسرور بلا حزن، وفرح بلا غم، وعز بلا ذل، وكرامة بلا هوان، وراحة بلا تعب، وصفولا يخالطه كدر، وأمن بلا خوف، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وحياة بلا موت، وشباب بلا هرم، ومودة لازمة، ونور لا يشوبه ظلام، ويقظة بلا نوم، وذكر بلا غفلة، وعلم بلا جهالة، وصداقة بلا عداوة بين أهلها، ولا حسد ولا غيبة، إخواناً على سرر متقابلين، آمنين مطمئنين أبد الآبدين ودهر الداهرين.
ولما لم يمكن أن يكون الإنسان هناك بهذا الجسد الفاني والجسم الثقيل المستحيل الطويل العريض العميق المظلم المركب من أجزاء الأركان المتضادة، المؤلفة من الأخلاط الأربعة، إذ كان لا يليق بمن هذه سبيله من تلك الأوصاف الصافية والأحوال الباقية، اقتضت العناية بواجب حكمة الباري- جل ثناؤه- أن ينشأ نشوءاً آخر، كما ذكر الله- جل ثناؤه- بقوله:" ولقد علمتم النشأة الأولى، فلولا تذكرون" يعني النشأة الأخرى. وقال:" وننشئكم فيما لا تعلمون" وقال:" ثم الله ينشئ النشأة الآخرة." فبعث بلطفه أنبياءه ورسله يرغبونهم فيها، ويدلونهم على طريقها كيما يطلبوها ويكونوا لها مستعدين قبل الورود إليها، ولكي يسهل عليهم مفارقة ما ألفوا من الدنيا من شهواتها ولذاتها، وتخفف عليهم شدائد الدنيا ومصائبها، إذ كانوا يرجون بعدها ما يغمرها ويمحوما قبلها من نعيم الدنيا وبؤسها، ويحذرونهم أيضاً التواني في طلبها كي لا يفوتهم ما وعدوا به، فإنه من فاتته فقد خسر الدنيا والآخرة جميعاً، وضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً. فهذا رأينان واعتقادنا يا راهب في معاملتنا مع ربنا، وبهذا الاعتقاد طاب عيشنا في الدنيا وسهل علينا الزهد فيها وترك شهواتها، واشتدت رغبتنا في الآخرة، وزاد حرصنا في طلبها، وخف علينا كد العبادة، فلا نحس بها، بل نرى أن ذلك نعمة وكرامة وعز وشرف، إذ جعلنا أهلاً أن نذكره، وإذ هدى قلوبنا وشرح صدورنا ونور أبصارنا لما عرفنا من كثرة إنعامه وفنون ألطافه وإحسانه.
قال الراهب: جزاك الله خيراً من واعظ ما أبلغه، ومن ذاكر إنعاماً ما أحسنه، ومن هاد رشيد ما أبصره، وطبيب رفيق ما أحذقه، وأخ ناصح ما أشفقه.

krimbow
10/06/2006, 00:20
فصل وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه-

بأن الأمور الطبيعية محيطة بنا ومحتوية على نفوسنا كإحاطة الرحم بالجنين، وكإحاطة قشرة البيضة بمحها؛ كل ذلك حرص من الطبيعة على تتميمها وتكميلها وصيانتها من الآفات العارضة، إلى أجل معلوم، فإذا جاء وقت الخروج من هناك بعد تتميم البنية وتكميل الصورة، فالجنين حينئذ هوالذي يحرك أعضاءه، ويركض؛ برجليه، ويضرب بيديه، حتى يخرق المشيمة؛ وتتقطع تلك الأوتار والرباطات التي كانت تمسكه هناك، ويمكنه الخروج من الرحم، وكذلك أفعال الفرخ بالبيضة. فهذا قياس ودليل لكل نفس تريد فراق الدنيا والخروج من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح، وتنبيه لها على أنه ينبغي لنا أن نتحرك ونجتهد، حتى ندفع عن أنفسنا الأخلاق الطبيعية المركوزة في الجبلة المذمومة منها، المانعة للنفوس عن النهوض والخروج من عالم الكون والفساد إلى عالم الأفلاك، وسعة السموات، ومعدن الأرواح، ومقر النفوس. فلما كان هذا كما ذكرناه، ولم يكن في منة؛ إنسان أن يعقل هذا الأمر الجليل، ويفهم هذا الخطب الخطير، كان من فضل الله وإحسانه وإكرامه لعباده أن بعث إليهم النبيين والمرسلين مؤيدين، ليعلموا الناس هذه الأمور، ويعرفوهم هذا الخطب، وينبهوهم عليه، ويدعوهم إليه، ويرغبوهم فيه، ويحثوهم على طلبه، ويكلفوهم الاجتهاد في نيله طوعاً أوكرهاً. وهذه من جسيم نعم الله- سبحانه- على عباده، وعظيم إحسانه إليهم الذي عمهم كلهم، ولم يخص أحدهم دون الآخر. وإذ قد تبين بما ذكرنا أن بعض نعم الله تعالى وإحسانه ما هي عموم لجميع خلقه لا يخص واحداً دون الآخر، فنريد أن نذكر ما يخص منها ونبين كيف يكون ذلك، ومن يستحقها ويستأهلها.
فأعلم يا أخي أن من نعم الله وإحسانه وإكرامه ما يخص به خواص من عبيده بحسب اجتهادهم وسعيهم وحسن معاملتهم ويحرمه قوماً آخرين، عقوبة لهم، إذ كان سعيهم واجتهادهم ومعاملتهم بخلاف سعي أولئك واجتهادهم، فهذا الباب من عدله وإنصافه بين خلقه، إذ كان الإحسان إليهم والنعم التي هي من قبله تفضلاً عليهم، تعمهم كلهم والتي يستحقونها بحسب سعيهم ويستأهلونها باجتهادهم لا يساوي بينهم فيها، إذ لم يكونوا متساوين في العمل.
وأعلم يا أخي بأن الله- جل ثناؤه- لما بعث أنبياءه ورسله إلى الأمم الجاهلة الغافلة عن هذا الأمر الجليل الخطير، لم يأمرهم ولا كلفهم شيئاً شاقاً سوى ما في وسع طاقتهم من القول والعمل والنية والإضمار؛ فأول شيء أمرهم الأنبياء وطالبوهم به هوالإيمان الذي هوإقرار اللسان لهم بما جاؤوا به من الأنباء والخبار عن أمور غائبة عن حواسهم، وترك الجحود والإنكار لها، كما ذكر بقوله جل ثناؤه:" قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً... فآمنوا بالله ورسوله." فمن أعطاه الإقرار باللسان وثبت ولم يرجع، كان جزاؤه ومكافأته لإقراره في الدنيا عاجلاً، أن يهدي الله قلبه بنور اليقين ويشرح صدره للتصديق بما أخبر به عن الغيب، وينجي قلبه من ألم الكرب والتكذيب، ويخلص نفسه من عذاب الشك والريبة والحيرة، كما وعد- جل ثناؤه-بقوله:" ومن يؤمن بالله يهد قلبه" يعني من يقر بلسانه يهد قلبه للتصديق واليقين والإخلاص. وقال:" والذين اهتدوا" يعني أقروا" زادهم هدى" يعني يقيناً واستبصاراً، " وآتاهم تقواهم" يعني أزال عنهم الشك والارتياب.
وأعلم يا أخي بأن المقر بلسانه والمنكر بقلبه يكون شاكاً مرتاباً متحيراً دهشاً، وهذه كلها آلام للقلوب وعذاب للنفوس، فأراد الله- جل ثناؤه- أن يخلص عباده المقرين لأنبيائه بما جاؤوا به، من هذه الآلام والعذاب، فأمر المقرين بأشياء يفعلونها، ونهاهم عن أشياء ليتركوها: كل ذلك ليبلوهم، فمن قبل وصاياه وعمل بها وثبت عليها، كان جزاؤه وثواب عمله في الدنيا عاجلاً قبل وصوله إلى الآخرة، أن هدى قلوبهم بنور اليقين، وشرح صدورهم من ضيق الشك والريبة والإنكار والحيرة والدهشة والنفاق، وخلصهم من عذابها. وأما من ترك الوصية ولم يعمل بها، بل خادع ومكر، وأضمر خلاف ما أظهر، وأسر غير ما أعلن، وأخلف الوعد، وأقام على هذه المساوئ والمخازي، كان جزاؤه وعقوبته أن يترك في ريبة متردداً في دينه، متحيراً شاكاً مذبذباً معذباً قلبه، متألمة نفسه، كما ذكر الله تعالى بقوله:" فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوا، وبما كانوا يكذبون" وقوله تعالى:" ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون؛" وقال لنبيه- صلى الله عليهم وسلم:" هم العدوفاحذرهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون؛" فقد تبين بما ذكرنا طرف من كيفية اختصاص الله تعالى المؤمنين بإفضاله وإنعامه وإحسانه إلى قوم دون قوم مكافأة لهم بحسب معاملتهم مع ربهم في عاجل الحياة الدنيا، قبل وصولهم إلى الآخرة، وكيف يحرم تلك النعم قوماً آخرين عقوبة لهم وجزاء لما تركوا من وصاياه ولم يعملوا بها.

krimbow
10/06/2006, 00:21
فصل وأعلم يا أخي- أيدك الله، بأنه- جل ثناؤه-

قد فرض على المؤمنين المقرين به وبأنبيائه أشياء يفعلونها، ونهاهم عن أشياء ليتركوها: كل ذلك ليبتليهم بها، وجعلها عللاً وأسباباً ليرقيهم فيها وينقلهم بها حالاً بعد حال، إلى أن يبلغهم إلى أتم حالاتهم وأكمل غاياتهم.
وأعلم يا أخي بأن من بلغه الله درجة ورتبة، فوقف عندها، ولم يرجع القهقرى بعد بلوغها، ثم قام بحقها ووفى بشرائطها، جعل جزاءه وثوابه أن ينقله من تلك الرتبة والدرجة إلى ما فوقها، ويرفعه من تلك إلى ما هوأشرف وأجل منها. ومن جهل قدر النعمة في تلك الرتبة فلم يشكرها، ولا اجتهد في طلب ما فوقها، ولا رغب في الزيادة عليها، كان جزاؤه أن يترك مكانه، ويوقف حيث انتهى به عمله، ويحرم المزيد، فيفوته ما وراء ذلك وفوقه من الدرجات والمراتب، وكان ذلك الفوت والحرمان هوعقوبته. والمثال في ذلك ما تقدم ذكره في أمر المؤمنين المقرين المخلصين الصادقين، والمنافقين المخادعين المرتابين، وقد ذكر الله تعالى علامات المؤمنين المخلصين الموقنين الصادقين وأعمالهم وأخلاقهم في آيات كثيرة من سور القرآن، وذكر أيضاً علامات المنافقين المرتابين المرائين في آيات كثيرة، وخاصة ما في سورة الأنفال، وسورة التوبة، وسورة الأحزاب، بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا.
ويروى في الخبر أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان يأمر الناس أيام إمارته بقراءة هذه السور، ويأمرهم بحفظها ودرسها، وأن يأخذوا أنفسهم بواجب ما ذكر فيها وبراءة ساحتهم مما وصف فيها من صفات المنافقين المرتابين الشاكين المرائين المخادعين. فينبغي لك يا أخي أن تجعل هذا الذي ذكرنا دليلاً وقياساً لك في كل ما تعامل به ربك طول عمرك وأيام حياتك، إن أردت أن يرقيك برحمته في المراتب، ويرفعك في الدرجات، حتى يبلغك أقصاها وأشرفها في الدنيا والآخرة جميعاً، كما وعد الله تعالى ذلك بقوله:" يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات".

krimbow
10/06/2006, 00:22
فصل في فضل طلب العلم

وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن الله- جل ثناؤه- قد فرض على المؤمنين أشياء كثيرة يفعلونها، ونهاهم عن أشياء كثيرة يتركونها، كما قلنا آنفاً. ولكن ليس من فريضة من جميع مفروضات الشريعة وأحكام الناموس أوجب ولا أفضل ولا أجل ولا أشرف ولا أنفع لعبد، ولا أقرب له إلى ربه بعد الإقرار به، والتصديق لأنبيائه ورسله فيما جاؤوا به وخبروا عنه، من العلم وطلبه وتعليمه. وبيان ذكر شرف العلم، على ما ذكرناه من فضيلته وجلالته وفضل طلبه وتعلمه، ما روي عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: تعلموا العلم فإن في تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمونه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والمؤنس في الوحدة والوحشة، والصاحب في الغربة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والمقرب عند الغرباء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة يهتدى بهم، وأئمة في الخير تقتفى آثارهم، ويوثق بأعمالهم، وينتهى إلى آرائهم، وترغب الملائكة في خلتهم؛ وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، حتى الحيتان في البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها، لأن العلم حياة القلب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأحرار ومجالس الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام؛ به يطاع الله، وبه يعبد، وبه يعلم الخير، وبه يتورع، وبه يؤجر، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، وأعلم أن العلم إمام العمل، والعمل تابعة، ويلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء.

krimbow
10/06/2006, 00:22
فصل وأعلم يا أخي - أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن

طالب العلم يحتاج إلى سبع خصال أولها السؤال والصمت، ثم الاستماع، ثم التفكر، ثم العمل به، ثم طلب الصدق من نفسه، ثم كثرة الذكر أنه من نعم الله، ثم ترك الإعجاب بما يحسنه. والعلم يكسب صاحبه عشر خصال محمودة، أولها الشرف وإن كان دنياً، والعز وإن كان مهيناً، والغنى وإن كان فقيراً، والقوة وإن كان ضعيفاً، وانبل وإن كان حقيراً، والقرب وإن كان بعيداً، والقدر وإن كان ناقصاً، والجمود وإن كان بخيلاً، والحياء وإن كان صلفاً، والمهابة وإن كان وضيعاً، والسلامة وإن كان سقيماً. وقال الله- جل ذكره:" هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوالألباب" وقال سبحانه:" إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقال:" ومن يؤت الحمة فقد أوتي خيراً كثيراً" وآيات كثيرة في القرآن في مدح العلماء وفضائلهم، وحسن الثناء عليهم في مثل ذلك.
وأعلم يا أخي بأن للعلماء، مع كثرة فضائل العلم، آفات وعيوباً وأخلاقاً ردية تحتاج أن تتجنبها وتتحذرها، فمنها الكبر والعجب والافتخار. وقد روي عن رسول الله أنه قال: من ازداد علماً ولم يزدد لله تواضعاً، وللجهال رحمة، وللعلماء مودة، لم يزدد من الله إلى بعداً. ومنها كثرة الخلاف والمنازعة فيه، وطلب الرياسة به، والتعصب والعداوة والبغضاء فيما بينهم. وقال لقمان الحكيم لبنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور العلم، كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر؛ وإياك ومنازعة العلماء، فإن الحكمة نزلت من السماء صافية، فلما تعلمها الرجال صرفوها إلى أهواء أنفسهم. ومن آفات العلماء الخوض في المشكلات، والترخيص؛ في الشبهات، وترك العمل بموجبات العلم. ومن آفات العلماء أيضاً كثرة الرغبة في الدنيا وشدة الحرص في طلبها. وقد قيل في المثل: إن حب الدنيا رأس كل خطيئة، والحرص في طلبها مرض للنفوس وسقام لها؛ وعلماء أحكام الناموس هم أطباء النفوس ومداووها، فمثل العالم الراغب في الدنيا، الحريص على طلب شهواتها، كمثل الطبيب المداوي غيره وهومريض لا يرجى صلاحه، فكيف يشفي المرريض بعلاجه، وقد قيل إن عالماً زاهداً في الدنيا، يكون عالماً بدين الله، وبصيراً بطريق الآخرة، خير من ألف عالم راغب فيها. وقال المسيح- عليه السلام-: أيها العلماء والفقهاء فعدتم على طريق الآخرة، فلا أنتم تسيرون إليها فتدخلون الجنة، ولا تتركون أحداً يجوزكم فيصل إليها، وإن الجاهل أعذر من العالم، وليس لواحد منهما عذر.
وأعلم يا أخي بأن كل علم وأدب لا يؤدي صاحبه إلى طلب الآخرة، ولا يعينه على الوصول إليها، فهو وبال على صاحبه وحجة عليه يوم القيامة، وذلك أن الملوك والجبابرة والفراعنة والقرون الماضية كانت لهم عقول رضية، وآداب بارعة، وسياسة وحكمة وصنائع عجيبة، وهكذا من كان يعاشرهم وينادمهم ويقرب إليهم، من وزرائهم وكتابهم وعمالهم وقوادهم وعلمائهم وأدبائهم، ولكن هلكوا من أجل إنهم صرفوا تلك القوى والعقول والأفهام وأكثر أفكارهم وتمييزهم ورويتهم في طلب شهوات الدنيا والتمتع بلذاتها ونعيمها، بالرغبة الشديدة والحرص والتمني للخلود فيها، وجعلوا أكثر كدهم وسعيهم في صلاح أمور الدنيا، حتى عمروها وأهملوا الآخرة وذكر المعاد، ولم يستعدوا له، وذكروا الدنيا وغفلوا عن الآخرة ولم يتزودوا من الدنيا، وتركوها لغيرهم، ورحلوا عنها كارهين، فصارت تلك النعم وبالاً عليهم، إذ لم ينالوا بها الآخرة، فخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هوالخسران المبين.
وإنما أكثر الله سبحانه في القرآن ذم هؤلاء وسوء الثناء عليهم، لكيما يعتبر بهم المعتبرون ممن يجيء بعدهم، ويتعظوا بحالهم، ولا يغتروا بالدنيا كاغترارهم، كما قال الله- جل ذكره:" فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور" وقال:" إنما الحياة الدنيا لعب ولهووزينة" إلى آخر الآية. وقال تعالى ذكره:" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة" الآية.
وقال:" إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً، المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوباً وخير أملا" وآيات كثيرة في القرآن في ذم الراغبين في الدنيا، والتحذير منها ومن غرورها وأمانيها، كل ذلك نصح من الله-سبحانه- لعباده المؤمنين، ولطف بهم ونظر ورحمة، لئلا تفوتهم الآخرة كما فاتت أولئك، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من يحيا عن بينة، قال الله تعالى:" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين".

krimbow
10/06/2006, 00:23
فصل وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه-

بأن من الأخلاق المكتسبة ما هي محمودة منسوبة إلى الملائكة، كما سنبينها بعد، ومنها ما هي مذمومة منسوبة إلى الشيطان، وهي كثيرة نحتاج أن نبينها ونشرحها، ليظهر الفرق بينهما، ويعرفها إخواننا الكرام، فيجتنبوا أخلاق الشياطين ويتركوها، ويتخلقوا بأخلاق الملائكة الكرام ويؤثروها، ويجتهدوا في اكتسابها، إذ كانت أخلاق النفوس هي أحد الأربعة الأشياء التي لا تفارق النفس بعد مفارقتها الجسد، وعليها أيضاً تجازى النفوس إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً. وهذه الأربعة الأشياء التي ذكرنا أن النفس تجازى عليها بعد الفراق، أولها الأخلاق المكتسبة المعتادة، والثاني العلوم التعليمية، والثالث الآراء المعتقدة، والرابع الأعمال المكتسبة بالاختيار والإرادة. فمن أخلاق الشياطين أولها كبر إبليس، وحرص آدم، وحسد قابيل؛ وأعلم يا أخي بأن هذه الخصال الثلاث هي أمهات المعاصي وأصول الشرور، ولها أخوات مشاكلات لها، وفروع وأغصان متفننات منها نحتاج أن نذكر طرفاً منها ليعلم صحة ما قلنا، ويعرف حقيقة ما وصفنا، فمن أخوات الكبر وأشكاله عجب المرء برأي نفسه، والأنفة عن قبول الحق، وترك الإقرار به، والانقياد لأمر الآمر والناهي الواجب الطاعة، والتعدي والخروج عن الحد الواجب والحق اللازم، والظلم والجور عند القدرة في الحكومات، وترك الإنصاف في المعاملة، والتهاون في الواجبات، والإعراض عن اللوازم من الحقوق، والقحة والصلابة في الوجه في دفع الحق والعيان والضرورات والفحش والسفاهة في الخطاب، والجال، واللجاج في الخصومات، والخرق؛ والنزق في العشرة، والحدة والطيش في التصرف، والغش والمكر في المعاملة، والاستصغار والاحتقار لأبناء الجنس، والاستطالة عليهم والافتخار في الأمور بما خص من المواهب، والإنكار لفضل من فضل عليه، والبغي والعدوان وما شاكلها من الخصال المذمومة والأخلاق الرديئة والأفعال السيئة والأعمال القبيحة.
ومن أخوات الحرص وأشكاله الطمع الكاذب، وشدة الرغبة، والطلب الحثيث، والعجلة في السعي، وتعب البدن، وعناء النفس، وكد الروح في الجمع والإدخار، والاستكثار والاحتكار من خوف الفقر، والبخل والمنع والشح واللؤم والنكد؛ وما يتبعها من الشؤم والخذلان، وقلة الانتفاع بالموجود، والحرمان من المذخور، والمضايقة في المعاملة، والمناقشة في المحاسبة، وسوء الظن بالأمين، والتهمة للثقات والمؤتمنين، والخيانة في الأمانة، وطلب الحرام، وارتكاب الفحشاء، وإضمار القلب على الإضرار، وإظهار الكذب لكتمان السر، والحيل في أسباب الطلب من البيع والشراء، والغش في الأمتعة، وقلة النصيحة في الصنائع، والحلف واليمين الكاذبة عند الاعتذار في الحكومات، وأقاويل الزور في أسباب الخصومات، والعداوة والتعدي في الحدود، وما شاكلها من الخصال المذمومة والأخلاق الرديئة والأقاويل الباطلة والأفعال القبيحة والعمال السيئة.
ومن أخوات الحسد وأشكاله الحقد والغل؛ والدغل؛ ثم تدعوهذه الخصال إلى المكاشفة بالعداوة، والبغضاء، والبغي، والغضب والحرد، والتعدي والعدوان، وقساوة القلب وقلة الرحمة والفظاظة والغلظ، والطعن واللعن والفحشاء؛ وتكون سبباً للخصومة والشر والحرب والقتال، إن أمكن ذلك جهاراً وإعلاناً، وإلا يدعوإلى المكر والحيلة والخداع والغدر والخيانة والسعاية والغيبة والنميمة والزور والبهتان والكذب والمداهنة والنفاق والرياء؛ ويصير ذلك سبباً لتشتيت الشمل، وتفريق الجميع، وقطيعة الرحم، والبعد من الإخوان، ومفارقة الإلف، وخراب الديار، ووحشة الوحدة، والحزن والغم، وألم القلب، وهموم النفس، وعذاب الأرواح، وتنغيص العيش، وسوء المنقلب وخسران الدنيا والآخرة؛ نعوذ بالله من هذه الخصال والشرور، والأخلاق والأفعال القبيحة، والأعمال السيئة الدنية التي تنكرها العقول السليمة والنفوس المهذبة والأرواح الطاهرة.
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن المتكبر عن قبول الحق عدوللطاعة، وقد قيل إن الطاعة هي اسم الله الأعظم الذي به قامت السموات والأرض بالعدل. وضد الكبر التواضع للحق، والقبول له، ويقال في المثل السائر: من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله.

krimbow
10/06/2006, 00:24
وقيل في بعض كتب بني إسرائيل: قال الله سبحانه وتعالى: الكبر ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما كببته في نار جهنم على منخريه. قال الله- عز وجل- في القرآن:" أليس في جهنم مثوى للمتكبرين" وقيل إن الحرص الشديد ربما كان سبب الحرمان؛ والحاسد عدولنعم الله، وليس للحاسد إلا ما حسد. وقال الله جل ذكره:" أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" فاحذر يا أخي من هذه الخصال والأخلاق والأعمال، فإنها من أخلاق الشياطين وجنود إبليس أجمعين الذين يبغض بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، كما ذكر الله تعالى بقوله:" كلما دخلت أمة لعنت أختها" وقال تعالى:" لا مرحباً بهم، إنهم صالوالنار" وآيات كثيرة في القرآن في ذم هؤلاء وسوء الثناء عليهم.
فقد تبين بما ذكرنا أن الكبر والحرص والحسد أصول وأمهات لسائر الخصال المذمومة والأخلاق الرديئة المنتشئة منها الشرور والمعاصي كلها، فاحذر يا أخي منها. فإن قيل: ما الحكمة والفائدة في كون هذه الخصال الثلاث موجودة في الخليقة، مركوزة في الجبلة، فنقول: أما التكبر فهو من كبر النفس، وكبر النفس هومن على همتها، وعلوالهمة جعل في جبلة النفس لطلب الرياسة، وطلب الرياسة من أجل السياسة، وذلك أن الناس محتاجون في تصاريف أمورهم إلى رئيس يسوسهم على شرائط معلومة، كما ذكر ذلك في كتب السياسات بشرح طويل، وقد ذكرنا طرفاً منها في رسالة سياسة النبوة والملك، فإذا لم يكن الرئيس عالي الهمة، كبير النفس، لم يصلح للرياسة؛ وكبر النفس يليق بالرؤساء، ويصلح للملوك، وسياسة الجماعات؛ فأما الرعية والأعوان والأتباع والخدم والعبيد فلا يصلح لهم كبر النفس ولا يليق بهم.
وأقول بالجملة إن كبر النفس في كل وقت وفي كل شيء ليس بأمر محمود، ولكن إذا استعمل كما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، بمقدار ما ينبغي، من أجل ما ينبغي، سمي ذلك محموداً، فيكون عامل ذلك طلق النفس ذا مروءة، عالي الهمة عفيفاً كريماً جميلاً ديناً، ويكون صاحبه محموداً معظماً مبجلاً مهيباً. وأما التكبر عن قبول الحق وترك الإقرار بالواجب، والفسق؛ عن أمر الرئيس، وترك الانقياد والإذعان للطاعة المفروضة، فهو المذموم، وهوهوالشر والمعصية والمنكر.
وأقول بالجملة: ينبغي لك يا أخي أن تعلم وتتيقن بأنك كما تريد وتحب وتشتهي من عبدك أن ينقاد لأمرك، وكذلك خادمك وأجيرك وتابعك وزوجك وولدك، ولا يتكبرون عليك، ولا يخرجون عن أمرك، ولا يجاوزوننهيك، فهكذا ينبغي ويجب أن تكون لرئيسك، ومن هوفوقك في الأمر والنهي، حتى تكون عادلاً منصفاً محقاً ممدوحاً مثاباً مجازى ملتذاً فرحاً مسروراً منعماً مكرماً. فقد تبين، بما ذكرنا، ما الحكمة والفائدة في وجود التكبر في طباع النفس المركوزة في جبلتها، ومتى يكون صاحبه مذموماً معاقباً، ومتى يكون محموداً مثاباً. وأما كون الحرص في طلب المرغوب فيه الموجود في الخليقة، المركوز في الجبلة، فهو من أجل إن الإنسان لما خلق محتاجاً إلى مواد لبقاء هيكله ودوام شخصه مدة ما، وإبقاء صورته في نسله زماناً ما، جعل في طبعه وجبلته الرغبة فيها والحرص في طلبها والجمع لها والادخار والحفظ لوقت الحاجة إليها، إذ كان ليس في كل وقت وفي كل مكان موجوداً ما يريده ويحتاج إليه. فإذا رغب الإنسان فيما يحتاج إليه، وطلب ما ينبغي له، وجمع مقدار الحاجة وحفظه إلى وقت الحاجة، ثم استعمل ما ينبغي كما ينبغي، وأنفق بقدر الحاجة، فهو يكون محموداً عادلاً منصفاً محقاً مصيباً مأجوراً ملتذاً مثاباً منعماً فرحاً مسروراً مكرماً.
فقد بينا ما الحكمة والفائدة في كون الرغبة والحرص في الجبلة المركوزة؛ فإذا طلب ما لا يحتاج إليه كان مذموماً، أوجمع أكثر مما يحتاج إليه كان متعوباً، أوجمع ولم ينفق ولم يستعمل في وقت الحاجة إليه كان مقتراً محروماً؛ فإن أنفق واستعمل فيما لا ينبغي كان مسرفاً مخطئاً جائراً معاقباً معذباً. وروي عن رسول الله- صلى الله عليه وآله - أنه قال:" من طلب الدنيا تعففاً عن المسألة، وتوسعاً على عياله، وتعطفاً على جاره، لقي الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا مكاثراً مفاخراً مرائياً، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يبال الله به بأي واد هلك.
فأما كون الحسد المركوز في الجبلة، الموجود في الخليقة، فهو من أجل التنافس في الرغائب من نعم الله، وذلك أن نعم الباري تعالى على خلقه كثيرة لا يحصي عددها إلا هو، ولم يمكن أن يجمع عددها كلها على شخص واحد، ففرقت في الأشخاص بالقسط؛ كما شاء ربهم- عز وجل- وضعها، وفضل بعضهم على بعض كما اقتضت حكمته، فلم يخل أحد من الخلق من نعم الله وآلائه، ولا استوفاها أحد من خلقه. فمن رأى على أحد من الخلق نعمة ليست عليه بعينها، فلينظر هل عليه نعمة ليست بعينها على ذلك الشخص، فيقابل هذه بتلك، ويشكر الله، ويسأله أن يديمها عليه. ومن رأى على أخيه نعمة ليس عليه مثلها، فليسأل الله تعالى من فضله، ولا يتمن زوال تلك عن أخيه، فإن ذلك هوالحسد بعينه، وهوالمذموم الذي يكون الحاسد به معذبة نفسه، مؤلماً قلبه، عدواً لنعم الله على خلقه.

krimbow
10/06/2006, 00:24
فصل في الحرص والزهد ودرجات الناس

أعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأنك إن أنعمت النظر بعقلك، وجودت الفكر برويتك، وتأملت أمور الدنيا، واعتبرت تصاريف أحوال الناس، تبينت وعرفت أن أكثر الشرور التي تجري بين الناس إنما سببها شدة الرغبة في الدنيا، والحرص على طلب شهواتها ولذاتها ورياستها، وتمني الخلود فيها. وإذا تأملت واعتبرت وجدت أس كل خير وأصل كل فضيلة الزهد في الدنيا وقلة الرغبة في شهواتها ونعيمها ولذاتها، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر المعاد في آناء الليل وأطراف النهار، والاستعداد للرحلة إليها.
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن الخلق كلهم عبيد الله وأهل طاعته طوعاً أوكرهاً، ولكن منهم خاص وعام، وما بينهما طبقات متفاوتة الدرجات، فأول الخواص هم العقلاء الذين توجه نحوهم الخطاب بالأمر والنهي والوعد والوعيد والمدح والذم والترغيب والترهيب؛ ثم إن الله تعالى بواجب حكمته رفع قدر المؤمنين على سائر العقلاء، وهم المقرون والقابلون أوامره ونواهيه، المنقادون لطاعته فيما رسم لهم في أحكام النواميس وموجبات العقول، التاركون لما نهوا عنه سراً وعلانية. ثم إن الله- سبحانه- رفع من المؤمنين المقرين المخلصين، واصطفى منهم طائفة وفضلهم على غيرهم، وهم العلماء والفقهاء الذين اجتهدوا في تعلم أوامر الناموس ونواهيه وأحكامه وحدوده وشرائطه بواجبها، كما ذكر الله تعالى بقول:" يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين آوتوا العلم درجات".
ثم إن الله- جل اسمه- رفع من جملة العلماء طائفة، وهم التائبون العابدون الصالحون الورعون المتقون المحسنون بما استحقوا باجتهادهم من القيام بواجبات أحكام الناموس، درجات، كما ذكر الله- عز وجل- بقوله:ط أمن هوقانت آناء الليل وقائماً، يحذر الآخرة ويرجورحمة ربه"؛ الآية. وقال تعالى:" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولوالألباب" وقال تعالى: " تتجافى جنوبهم عن المضاجع" الآية، وآيات كثيرة في القرآن في ذكر هؤلاء ومدحهم وحسن الثناء عليهم.
ثم إن الله- جل ثناؤه- رفع من هؤلاء طائفة في الدرجات، وهم الزاهدون في الدنيا، العارفون عيوبها، الراغبون في الآخرة، المحققون بها، الراسخون في علمها، وهم أولياء الله المخلصون، وعباده المؤمنون، وصفوته من خلقه أجمعين، الذين سماهم الباري تعالى أولي الألباب، وأولي الأبصار، وأولي النهى، وأخلصهم بخالصه ذكرى الدار التي هي الحيوان؛ وإليهم أشار بقوله سبحانه:" وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار" وقوله:" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" وآيات كثيرة في القرآن في ذكرهم ومدحهم وحسن الثناء عليهم.
وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن للمؤمنين فضائل كثيرة من محاسن الأخلاق ومكارم الأفعال وفضائل الأعمال وجميل الفعال؛ لا يمكن أن تجمع كلها في شخص واحد، بل في عدة أشخاص، فمقل ومكثر، ولكن ليس بعد العلم والإيمان خصلة للمؤمنين، ولا خلق من أخلاق الكرام أشرف ولا أجل ولا أفضل من الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وذلك إن الزهد في الدنيا، إنما هوترك فضول متاع الحياة الدنيا وترك طلب شهواتها، والرضى بالقليل، والقناعة باليسير من الذي لا بد منه، وهذه خصلة تتبعها خصال كثيرة من محاسن الأخلاق وفضائل الأعمال وجميل الأفعال. وضد الزهد هوالرغبة في الدنيا والحرص في طلب شهواتها، وهي خصلة تتبعها أخلاق ردية وأفعال قبيحة وأعمال سيئة، كما تقدم ذكره، وذلك أن من خصال الزهاد وشعارهم قلة الأكل وترك الشهوات، وفي قلة الأكل وترك الشهوات خصال محمودة كثيرة، ومناقب حسنة جميلة، فمنها ما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " أجيعوا أنفسكم تفرح بكم سكان السماء. ومنها أن الإنسان يكون أصح جسماً، وأجود حفظاً، وأزكى فهماً، وأجلى قلباً، وأقل نوماً، وأصدق رؤيا، وأخف نفساً، وأحد بصراً، وألطف فكراً، وأصغى سمعاً، وأصح حساً، وأثبت رأياً، وأقبل للعلم، وأسرع حركة، وأسلم طبيعة، وأقل مؤنة، وأوسع مواساة، واكرم خلقاً، وأثبت صحبة، وأحلى في القلوب. وقلة الأكل، إذا ساعدته القناعة، كان مزرعة الفكر، وينبوع الحكمة، وحياة الفطنة، ومصباح القلب، وطبيب البدن، وقاتل الشهوات، وهادم الوسواس، ومنزل الإلهام، وعصمة من شر النفس، وأماناً من شدة الحساب؛ والشكر له تابع، وكفر النعمة عنه زائل.
فصل في آفات الشبع

krimbow
10/06/2006, 00:25
فصل في آفات الشبع وكثرة الأكل وخصال الزهاد

يروى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد ذهاب نبيها- صلى الله عليه وسلم- الشبع وكثرته؛ وذلك أن القوم إذا شبعت بطونهم، سمنت أبدانهم، وقست قلوبهم، وجمحت نفوسهم، واشتدت شهواتهم. ومن آفات الشبع وكثرة الأكل عفونة القلب، ومرض الأجساد، وذهاب البهاء، ونسيان الرب، وعمى القلوب، وهزال الروح، وسلاح الشياطين، وحراجة الدين، وذهاب اليقين، ونسيان العلم، ونقصان العقل، وعداوة الحكمة، وذهاب السخاء، وزيادة البخل، ومزرعة إبليس، وترك الأدب، وركوب المعاصي، واحتقار الفقراء، وثقل النفس، وإدرار الشهوات، وزيادة الجهل، وكثرة فضول القول، ويزيد في حب الدنيا، وينقص الخوف، ويكثر الضحك، ويحبب العيش، وينشي ذكر الموت، ويهدم العبادة، ويقل الإخلاص، ويذهب بالحياء، ويهيج عادة السوء، ويطيل النوم، ويكثر الغفلة، ويسبب تفريق الأصحاب، ويحرج الأعمال؛ ويكدر الصفو، ويذهب الحلاوة من القلوب، ويحبب الشيطان، ويبغض الرحمن، ويكثر الغم يوم الحساب، ويقرب من النيران، ويبعد من الجنان، لأنه سبب المعاصي، ويحرك الكبر، ويثبت الحسد، ويقل الشكر، ويذهب الصبر، فهذه خمسون خصلة تهيج من الشبع وكثرة الأكل.
ويقال إن المعدة قدر الطعام، ونارها حرارة الكبد، فإذا لم ينطبخ كان سبب الأمراض المختلفة، فحسب ابن آدم أكلات تعمر بطنه، فإن غلبت الآدمي نفسه، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس.
ومن خصال الزهاد وشعارهم العفة والتصون، فهذه خصلة يتبعها أخلاق جميلة، وخصال محمحودة، وفضائل كثيرة، فمنها الكف والورع والحفظ والوقار والتقى والأمانة والمروءة والكرم واللين والسكون والمراقبة والتوقي والصحة والسلامة وحسن الثناء عليهم والتزكية لهم والغبطة والسرور ومحبة القلوب وبراءة الساحة وسكون الناس إليهم والثقة بهم والإجلال لهم والإكرام. ومن خصال الزهاد أيضاً وشعارهم السخاء والكرم والجود والبذل والمواساة والإحسان والإيثار والإفضال والرأفة والرحمة والتودد والبر والمعروف والصدقة والهدية. ومن خصالهم أيضاً وشعارهم الحلم والأناة والتثبت والرزانة والتؤدة والرفق والمداراة والسكينة والوقار والحياء والصفح والعفووالتغافل والشفقة والرحمة والعدل والنصفة والمحبة والقبول والإجابة والتواضع والاحتمال. ومن خصالهم أيضاً الرضى والقناعة والتجمل والكفاف واليأس من الطمع والراحة من العناء والتسليم للقضاء والصبر في الشدائد والبلوى وحسن العزاء. ومن خصالهم وشعارهم التوكل على الله والثقة به والطمأنينة إليه والإخلاص له في العمل والدعاء والصدق بالقول والتصديق في الضمير والنصح للإخوان والوفاء بالعهد والحزم والعزم في عمل الخير والإحسان والبر والمعروف، والمسارعة في الخيرات رغباً ورهباً، وهم من خشية ربهم مشفقون؛ فهؤلاء هم أولياء الله وخالص عباده من المؤمنين الذين يحبون الله ويحبهم، كما ذكر بقوله:" والذين آمنوا أشد حباً لله" وهم الذين يتمنون لقاءه، لما يرجون من التحية؛ قال الله تعالى:" تحيتهم يوم يلقونه سلام" فهل لك يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن ترغب في صحبتهم، وتقصد مناهجهم، وتقفوأثرهم، وتتخلق بأخلاقهم، وتسير بسيرتهم، لعلك تفوز بمفازتهم" لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون".
وأعلم يا أخي بأن الطريق إلى هذه الخصال التي وصفناها هوأن تبتدئ أولاً بسنة الناموس، فتعمل بوصايا صاحبه كما هي في كتب النواميس الإلهية يعرفها أكثر علماء أهل الشريعة قد استغنينا عن ذكرها، والذي نوصيك به نحن أن تنزع عن نفسك القشور التي تعلقت عليها من صحبة الجسد، وتخلع اللباس الذي أحاط بها من الأمور الطبيعية والصفات الجسمانية، وتجلوعنها الصدأ الذي تركب عليها من أخلاط البدن وسوء الأخلاق وتراكم الجهالات وفساد الآراء، وتنحي عنها هذه الأشياء ليصفولك اللب والمخ وهوجوهر نفسك النيرة الشفافة الروحانية النورانية التي هي كلمة من كلمات الله وروح منه نفخها في الجسد وأحياه بها، وهي التي مدحها الله تعالى بقوله:ومثل كلمة طيبة" كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء" الآية. وقال:" إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" يعني به روح المؤمن إذا فارقت الجسد صعد بها إلى سعة السموات وفسحة الأفلاك فيكون سائحاً هناك حيث شاء ذهب وجاء؛ كما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح بالنهار في الجنة على رؤوس أشجارها وأنهارها وثمارها، وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش. فهذه حال أرواح المؤمنين الصالحين بعد الموت، وأما حال أرواح الكافرين والفاسقين والفاجرين والمنافقين فلا يصعد بها إلى هناك بل تحجب دون السماء وتهيم في هاوية البرزخ إلى يوم يبعثون؛ وإليهم أشار بقوله تعالى:" لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة" إلى قوله:" وكذلك نجزي الظالمين" لأنه لا يليق بها ذلك المكان الشريف والمحل الأعلى، كما لا يليق بالأوساخ من الناس والأقذار منهم مجالس الملوك والسادة والكرام.
فإن أردت يا أخي أن تعرج بروحك إلى هناك بعد فراق الجسد، فاجتهد قبل ذلك، وأغسلها من درن الأخلاق الرديئة ووسخ الآراء الفاسدة، وأخرجها من ظلمات الجهالات المتراكمة، وجنبها الأعمال السيئة، وألبسها لباس التقوى، وزمها عن الانهماك في الشهوات الجرمانية والغرور باللذات الجسمانية. فأما الآراء الفاسدة فقد بيناها في رسالة لنا، وأما كيفية الخروج من الجهالات المتراكمة، فقد بيناها في إحدى وخمسين رسالة عملناها في فنون العلوم وغرائب الحكم وطرائف الآداب، وأما تهذيب الأخلاق فقد وصفنا بعضها في هذه الرسالة وبعضها في رسالة عشرة إخوان الصفاء، والأصدقاء الكرام، فاقرأهما واعمل بما ذكرنا فيهما، وعلمهما إخوانك وأصدقاءك، فإنك بذلك تفوز وتنال الزلفى عند ربك أبد الآبدين ودهر الداهرين مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

krimbow
10/06/2006, 00:26
فصل في بيان علامات أولياء الله

عز وجل وعباده الصالحين

وأعلم يا أخي- أيدك الله وإيانا بروح منه- بأن لأولياء الله صفات وعلامات كثيرة يعرفون بها ويمتازون عمن سواهم، وهكذا أيضاً لأعداء الله علامات وصفات يعرفون بها ويمتازون عن غيرهم، نحتاج أن نذكر طرفاً منها ليعلم كل عاقل فهم مميز مستبصر، إذا أراد أن يعرف من أي الفريقين هولم يخف عليه ذلك.
وأعلم يا أخي بأن العاقل الفهم المستبصر هوالذي يعرف الفرق بين الأشياء المتشابهة، ويميز بين الأمور المتجانسة ويفضل بعضها على بعض بعلامات وصفات مختصة بواحد واحد منها، فنقول الآن إن من علامات أولياء الله الصالحين المختصين به ما ذكره الله تعالى بقوله لإبليس اللعين: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" وحكي أيضاً قول إبليس مجاوباً له: فبعزتك" لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين" وآيات كثيرة في القرآن في ذكر أولياء الله وصفاتهم وعلاماتهم وهي مثل قوله تعالى:" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون" إلى آخر الآية، وآيات كثيرة في القرآن في ذكر أولياء الله تعالى ومدحهم وصفاتهم وعلاماتهم وحسن الثناء عليهم.
ومن علاماتهم وصفاتهم أيضاً حفظ الجوارح من كل ما لا يحل في الشريعة ولا يجوز في السنة ولا يحسن في المروءة. ومن علاماتهم وصفاتهم حفظ اللسان عن الكذب والغيبة والبهتان والزور والنميمة والفحش والسفاهة والطعن واللغووالوقيعة في أحد من الخليقة عدواً كان أوصديقاً، مخالفاً كان أومؤالفاً. ومن علاماتهم أيضاً وصفاتهم وهي العمدة والأصل في جميع الخيرات والخصال المحمودة سلامة الصدر من الغل والغش والدغل والحسد والبغض والتكبر والحرص والطمع والمكر والنفاق والرياء وما أشبهها من الخصال المذمومة، ومما هي مملوءة منها قلوب أبناء الدنيا الراغبين فيها، المكبين عليها، الطالبين لها. ومن علاماتهم أيضاً وصفاتهم المختصة بهم الرحمة والتحنن ورقة القلب على كل ذي روح يحس بالآلام. ومن خصالهم أيضاً النصيحة والشفقة والرفق والمداراة والتلطف والتودد لكل من يصحبهم ويعاشرهم. ومن علامات أولياء الله وعباده المخلصين، ومن أخص صفاتهم التي يمتازون بها عن غيرهم هي معرفتهم بحقيقة الملائكة وكيفية إلهامها. وقد ذكرنا طرفاً من هذا العلم في رسالة الإيمان وماهيته وخصال المؤمنين. ومن دقيق معرفتهم ولطيف علومهم معرفة حقيقة الشياطين وجنود إبليس اللعين، وكيفية وسواسهم ومسهم كما ذكر الله سبحانه بقوله:" إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان، تذكروا، فإذا هم مبصرون، وإخوانهم؛ يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون".
ومن علاماتهم وصفاتهم ودقيق علومهم ولطيف أسرارهم معرفة البعث والقيامة والنشر والحشر والحساب والميزان والصراط والجواز، وذلك أن أكثر علماء أهل الشرائع النبوية وفقهائهم المتعبدين فيها، متحيرون في معنى الإبليسية وحقيقة إبليس المخاطب لرب العالمين بقوله: " أنظرني إلى يوم يبعثون" وأكثر العلماء شاكون في وجود هذا القائل:" لأغوينهم أجمعين" وأكثر المتفلسفة منكرون قصته مع آدم وعداوته له، وخطابه لرب العالمين، ومواجهته له بخشونة الخطاب، بما ذكر الله سبحانه في القرآن في نحومن خمسين آية مثل قوله:" ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين" وآيات كثيرة في أمثال هذه الحكايات موجودة في التوراة والإنجيل، وصحف الأنبياء- عليهم السلام- كثيرة، وقد بينا نحن معانيها في رسالة البعث والقيامة، ولكن نريد أن نذكر في هذا الفصل منها طرفاً في كيفية عداوة أولياء الله تعالى مع إبليس، وكيفية محاربتهم مع الشياطين ومخالفتهم معهم طول أعمارهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، وإنه لا يخفى عليهم مكايدهم، ولا يذهب عنهم غرورهم وأمانيهم.
فصل فما حكاه ولي من أولياء الله عن كيفية معرفة مكايد الشياطين ومحاربته معهم ومخالفته جنود إبليس أجمعين قال العالم المستبصر لأخ له من أبناء جنسه فيما جرى بينهما من المذاكرة في أمر الشياطين وعداوتهم: كيف عرفت الشياطين ووساوسهم، قال: إني لما نشأت وتربيت، وشدوت من الآداب طرففاً، وأخذت من العلم نصيباً، وعقلت من أمر المعاش قسطاً، وعرفت أمر المنافع والمضار، تبينت ما يجب علي من أحكام الناموس من الأوامر والنواهي والسنن والفرائض والأحكام والحدود والوعد والوعيد والذم والمدح على الأعمال والأفعال وعلى تركها، ثم قمت بواجبها جهدي وطاقتي بحسب ما وفقت له وقضي علي ويسر لي. ثم تفكرت في قول الله تعالى:" إن الشيطان لكم عدوفاتخذوه عدواً" وقوله:" إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً" وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى، وتفكرت في قول النبي- صلى الله عليه وآله-: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، يعني مجاهدة النفس، وتصديقه قول الله تعالى:" ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه" وفكرت في قوله- عليه السلام-" لكل إنسان شيطانان يغويانه" وقوله:" إن شيطاني أعانني الله عليه فأسلم"، وقوله:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" وتصديق ذلك قول الله تعالى:" من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس" إلى آخر السورة، وقوله تعالى:" إنه يراكم هووقبيلته من حيث لا ترونهم" وآيات كثيرة في القرآن في مثل هذا المعنى وأحاديث مروية أيضاً في هذا المعنى كثيرة.
فلما سمعت ما ذكر الله تعالى وتفكرت فيما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في هذا المعنى، نظرت عند ذلك بعقلي، وفكرت بقلبي، وتأملت برويتي، فلم أر أحداً في ظاهر الأمر يضادني في هذا المعنى ولا يخالفني ولا يعاديني من أبناء جنسي، وذلك لأني وجدت الخطاب متوجهاً عليهم كلهم مثل ما هومتوجه علي، ووجدت حكمهم في ذلك حكمي سواء لا فرق بيني وبينهم في هذا الأمر، فعلمت أن هذا أمر عموم يشمل جميع بني آدم ويعمهم. ثم تأملت وبحثت ودققت النظر، فوجدت حقيقة معنى الشياطين، وكثرة جنود إبليس اللعين أجمعين، ومخالفتهم بني آدم، وعدواتهم لهم، ووساوسهم إياهم، هي أمور باطنة وأسرار خفية مركوزة في الجبلة، مطبوعة في الخليقة، وهي الأخلاق الرديئة، والطباع المذمومة المنتشئة منذ الصبا مع الإنسان بالجهالات المتراكمة، واعتقادات آراء فاسدة من غير معرفة ولا بصيرة، وما يتبعها من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة المكتسبة بالعادات الجارية، الخارجة من الاعتدال بالزيادة والنقصان، المنسوبة إلى النفس الشهوانية والنفس الغضبية، ثم تأملت ونظرت، فوجدت الخطاب في الأمر والنهي والوعد والوعيد والمدح والذم متوجهاً كله إلى النفس الناطقة العاقلة المميزة المستبصرة، ووجدتها هي بما توصف من الأخلاق الجميلة والمعارف الحقيقة والآراء الصحيحة والأعمال الزكية ملكاً من الملائكة بالإضافة إلى النفس الشهوانية والغضبية جميعاً. ووجدت هاتين النفسين، أعني الشهوانية والغضبية، بما توصفان به توصفان به من الجهالات المتراكمة، والأخلاق المذمومة، الطباع المركوزة، والأفعال القبيحة التي لهما بلا فكر ولا روية كأنهما شيطانان بالإضافة إلى النفس الناطقة.

krimbow
10/06/2006, 00:27
ثم تأملت وبحثت ودققت النظر، فوجدت جميع الأعمال الزكية والأفعال الحسنة التي هي منسوبة إلى النفس الناطقة إنما هي لها بحسب آرائها الصحيحة واعتقاداتها الجميلة. ثم وجدت تلك الآراء والاعتقادات إنما هي لها بحسب أخلاقها المحمودة المكتسبة بالاجتهاد والروية، والعادات الجارية العادلة، أوما كانت مركوزة في الجبلة، فتبينت عند ذلك، وعرفت بهذا الاعتبار أن أصل جميع الخيرات وصلاح الإنسان كلها هي الأخلاق المحمودة المكتسبة بالاجتهاد والروية، والمركوزة في الجبلة، وتبين لي وعرفت أيضاً أن أصل جميع الشرور وفساد أمور الإنسان كلها هي الأخلاق المذمومة المكتسبة بالعادات الجارية منذ الصبا من غير بصيرة، وأما ما كانت مركوزة في الجبلة؛ فلما تبين لي ما قلت، وعرفت حقيقة ما وصفت، تأملت قول النبي-صلى الله عليه وعلى آله أجمعين: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" وقول الله تعالى:" إن الشيطان لكم عدوفاتخذوه عدواً" يعني خالفوه وحاربوه كما تحاربون أعدائكم المشركين، فتبين لي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم وقول الله- عز وجل- أن العدوجنسان والعداوة نوعان والجهاد قسمان: أحدهما ظاهر جلي، وهوعداوة الكفار والمخالفين في الشريعة، وحربهم وجهادهم، والاخر باطن خفي، وهوعداوة الشياطين المخالفين في الجبلة المتضادين في الطبيعة، وتبين أن حربهم وعداوتهم وخلافهم هي الحقيقة، وعداوة الكفار وحربهم هي العرضية. وذلك أن عداوة الكفار هي من أجل أسباب دنيوية، وعداوة الشياطين من أجل أسباب دينية، وإن غلبتهم وظفرهم يعرض منها شقاوة الدنيا، ويفوت العز والسلطان والتمتع باللذات الدنيوية ونعيمها وطيب عيشها، ثم تزول يوماً ما. وأما عداوة الشياطين وغلبتهم وظفرهم فيعرض منها شقاوة الآخرة وعذابها، ويفوت عزها وسلطانها ونعيمها ولذاتها وسرورها وفرحها وروحها وريحانها ودوامها، فبحسب التفاوت ما بين هذين الأمرين، قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم:" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" وما ذكر الله سبحانه في القرآن في عدة سور في آيات كثيرة من التحذير من مكر الشياطين والغرور بخطراتهم، والأمر بمخالفتهم وعداوتهم والجهاد لهم، إذ كان الخطب فيهم أجل والخطر أعظم، بحسب التفاوت ما بين السعادتين في الدنيا والآخرة والشقاوة فيهما، فلما تبين لي ما ذكرت وعرفت حقيقة ما وصفت، تبين لي أعدائي وشياطيني ومخالفي ومن يريد أن يغويني عن رشدي ويضلني عن هداي الذي دعاني إليه ربي وإلهي وأوصاني به، وما نصحني نبيي- عليه السلام- ببيانه لي، وعلمت أني إن لم أقبل وصية ربي ونصيحة نبيي، وأني متى توانيت وتركت الاجتهاد في مخالفة أعدائي وعدواتهم غلبوني وظفروا بي، وأسروني وملكوني واستخدموني في أهوائهم ومراداتهم المشاكلة لأفعالهم السيئة، وصارت تلك الأشياء عادة لي وجبلة في وطبيعة ثانية، فتصير نفسي الناطقة التي هي جوهرة شريفة شيطانة مثلهم، فأكون قد هلكت وبقيت في عالم الكون والفساد مع الشياطين معذباً كما قال الله سبحانه:" كلما نضجت جلودهم بدلناهم